المذهبية وصناعة الوهم










التاريخ يتحول في جزء كبير منه على يد الطائفيين والمذهبيين إلى تاريخ ملائكة وأبطال وصناديد فقط، وهذا وجه واحد من وجوه التاريخ، بينما الواقع لا يقتصر على ذلك.

لو استعرضنا منهج البحث الذي اتبعه المؤرخون القدامى من خلال الاطلاع على مصنفاتهم التاريخية، فسوف نرصد العديد من موارد الخطأ والزلل. وبعض تلك الأخطاء واضحة لا لبس فيها، لكن هناك من لا يريد رصد تلك الأخطاء أو تصويبها، لأسباب وعلل ذاتية.
إن مَرد هذه الأخطاء في الغالب يعود إلى تحيز المؤرخ لمذهب أو وجهة نظر محددة، بغض النظر عما إذا كان ذلك الرأي الذي يميل إليه موثقا بالأدلة المعتبرة، أو غير موثق، فكل خبر أو حادثة من شأنها الإعلاء من شأن المذهب، أو تدعيم وجهة النظر التي يتبناها، فهو معتبر لديه، وكل خبر أو حادثة تحط من قيمة الآراء المعارضة هو موثق لديه.

يعمد أغلب المؤرخين إلى النقل عن الآخرين عندما تكون مروياتهم متوافقه مع آرائهم وميولهم المذهبية، ويعرضون عن ذلك عند مخالفتها لميولهم، فيأخذون الأخبار على علاتها، بما تحتويه من زيادة أو نقصان، مبالغة في التأييد أوالتهوين.
وقد وجدنا العديد من الأخبار التي تُنقل من قبل البعض تأييدا لشخصيات تاريخية محددة، وهي محشوة بالإشارات ضد آخرين أعلى شأنا منهم، مثل الروايات التي تُمجد بعض الصحابة على حساب مكانة النبي الأكرم بذاته، أو بعض الأخبار الدافعة إلى تعلية شأن بعض الأشخاص وقدراتهم الذاتية بطريقة تخدش وحدانية الله تقدست أسماؤه.

وهو ما نلاحظه في طبيعة المؤلفات التاريخية بصورة واضحة. فغالبية المؤرخين كانوا طائفيين من حيث العقيدة والولاء السياسيين، وتم استبعاد ومنع العديد من المؤلفات التاريخية لجملة من الباحثين لأسباب طائفية وسياسية، وهو ما بدا واضحا من معاناة التأليف عند كل من الشيعة والخوارج والمعتزلة، إذ اعتبرت كتبهم وتصنيفاتهم، حتى الفقهية منها، من كتب المعارضة، وحوربت مؤلفاتهم بأشد مما تحارب به بعض الحكومات العربية اليوم الكتب السياسية المعارضة.

بصفة عامة، فإن بعض التراث السني لا يقبل مرويات ونقولات الشيعة، وبعض التراث الشيعي لا يقبل مرويات ونقولات السنة، وكذلك الأمر مع المدارس المذهبية الأخرى.. إن ما يُقبل فقط هو الأحاديث والروايات التي تندس بين ثنايا كتب الآخرين، ويمكن الاتكاء عليها لدعم المذهب الذي ينتمي إليه المؤرخ أو الباحث.
أضف إلى ذلك أن البيئة العامة في المجتمعات الإسلامية ترفع من قيمة الشخص كلما كان أكثر غلوا وتعصبا، فيما يوصم المعتدل بضعف العقيدة وقلة الإيمان.

وهو ما يدفع الأشخاص للذهاب بعيدا في تطرفهم الفكري والعقدي، وتسابقهم لقراءة القضايا والأحداث من زاوية حادة مذهبيا، لأن التمذهب في مجتمعاتنا قرين بالوجاهة والحضور الاجتماعي، وربما الحظوة المالية. وعلى مستوى القراءة التاريخية، فإن المتطرف لا يمكنه أن يُحلل الأحداث بتجرد وموضوعية، ويظهر لي أن مشكلة التمذهب تنعكس في المنهج المتبع لدى التعامل مع الأحداث، بحيث يتم تحويل التاريخ إلى مادة للتأسي والاقتداء، فيبحث كل طرف عن العناصر التي تُكثف حضور التاريخ برجاله وأحداثه وتفاصيله في ذهن الأتباع.

هذا المنهج قد يكون بسيطا في ظاهره، لكنه على أرض الواقع يؤدي إلى تضخيم الأشخاص والأحداث، وخلال فترة بسيطة يتعملق في أذهان الأتباع العديد من الرجال والأشخاص إلى الدرجة التي يستحيل بعدها إخضاعهم للنقد والتقييم. إن مشكلة عدم النقد لا تتمثل في الحاجة إلى ممارسة النقد الشخصاني للآخرين، ولا محاكمة رجال رحلوا عن عالمنا قبل عشرات السنين، وإنما تكمن المشكلة في تحول تلك الشخصيات إلى حواجز نهائية أمام عقل المسلم، بحيث لا يستطيع التفكير خارج إطارها وزمانها، المشكلة تحديدا هي في هيمنة الأموات على الأحياء.

أخيرا فإن من موارد الخطأ التي يقع فيها المؤرخ جهله بتطبيق المبادئ العامة على الوقائع والأخبار، وفي عجزه عن التفريق بين الأخبار الخاصه والأخبار العامة. لذا فهو يعتمد منهج نقل الحادثة لا تعقلها، فالعلاقة بين المؤرخين بصفة عامة تندرج تحت بند النقل، فواحدهم ينقل عن الآخر، وهو لا يعرف القصد من الحادثة وخلفياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، فينقل الخبر حسب فهمه وظنه، فيسهل وقوعه في التزييف وصناعة الوهم من دون قصد أو تعمد.

لكنه في ظروف أخرى يقع في الكذب متعمدا، ويمارس التضليل والوهم قاصدا، عندما يعمد إلى دراسة التاريخ كما يُحب أن يكون، وبما يتوافق مع مدرسته الدينية وتوجهاته السياسية وميوله المذهبية، بما يضطره إلى كتابة ما يُحب فقط وإهمال ما يكره.. وتدوين ما نحب يختلف اختلافا كليا عن كتابة ما وقع فعلاً. لذا فإن التاريخ يتحول في جزء كبير منه على يد الطائفيين والمذهبيين إلى تاريخ ملائكة وأبطال وصناديد فقط، وهذا وجه واحد من وجوه التاريخ، بينما الواقع لا يقتصر على ذلك فحسب، وإنما هو حركة وإنجاز وصناعة بشرية فيها الصواب وفيها الخطأ.

احمد شهاب، كاتب كويتي
ahmed.shehab@awan.com


ميدليست أون لاين

0 التعليقات:

إرسال تعليق