‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ الجماعات السرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ الجماعات السرية. إظهار كافة الرسائل

منظمة "إيتا" الباسكية


وطن الباسك والحرية، (بالباسكية: Euskadi Ta Askatasuna)، تعرف اختصارا إيتا.
أنشأت كمنظمة عام 1959م، و تطورت مع الزمن إلى حركة انفصالية.
أهدافها المعلنة: انفصال إقليم الباسك الذي يخضع بشقية للسيطرة كل من إسبانيا و فرنسا.
و إطلاق سراح أعضائها المعتقلين في كل من فرنسا وإسبانيا.

في عام 1968م قامت إيتا بأول عملية، حيث إغتالت مدير مكتب المخابرات الأسبانية بمدينة
سان ساباستيان بإقليم الباسك ميليتون مانثاناس.
كانت أقوى ضربة وجهتها المنظمة إلى الحكومة الإسبانية في عام 1973 حيث إغتالت رئيس الوزراء الأسباني لويس كاريرو بلانكو و ذلك بواسطة بسيارة ملغومة في وسط مدريد.
وقد اعلنت الداخلية الفرنسية في نوفمبر 2008 عن اعتقال غاريتكويتش روبينا الملقب ب "تشيروكي" القائد المفترض للجناح العسكري لمنظمة ايتا والذي يعتبر من ابرز الملاحقين في المنظمة الباسكية والذي يشتبة انة نفذ جريمة قتل حارسين مدنيين أسبانيين في كابريتون (لاند جنوب غرب) في الاول من كانون الاول/ديسمبر 2007.

ويرد أسم المنظمة ضمن تقرير
وزارة الخارجية الأميركية عن الإرهاب في 27 إبريل 2005


بلاد الباسك :
بلاد الباسك (بالباسكية Euskal Herria) هو إقليم ضخم يمتد عبر جبال البيرينييه الغربية على الحدود ما بين فرنسا وإسبانيا تصل مساحتها لحوالي 20 ألف كم². بلاد الباسك مقسوم سياسيا بين دولتي فرنسا وإسبانيا.
ويمتد الإقليم حتى شاطئ خليج البسكاي. وتعتبر المنطقة بشكل عام منطقة تاريخية يقطنها شعب الباسك ويتحدثون لغتهم الخاصة بهم التي تعرف بالباسكية. وهي تعد أصعب الغات بالعالم وهناك من يطالب بالانفصال عن إسبانيا وفرنسا، و من أشهر المنظمات الإنفصالية، الموصوفة بالإرهابية من طرف الجهات الرسمية، منظمة إيتا الانفصالية.
من أهم مدن الإقليم مدينة بلباو وسان سباستيان وبامبلونا.
وكثرا ما يشهد الاقليم بلد الباسك إضرابات تدعوا اليه حركات اليسار التابعة للحزب المحظور هيري باتاسونا الجناح السياسي لمنظمة إيتا للإحتجاج على الاعتقالات الواسعة في صفوف القوميين الباسك وما يوصف بالتضييق على الأحزاب السياسية الأخرى مثل الحزب الشيوعي للأراضي الباسكية وحزب العمل القومي الباسكي. حيث يرافقه شن هجمات تخربية لمقرات بعض الأحزاب مثل الحزب الشعبي اليميني ومؤسسات الدولة الأسبانية وتلحق بها أضرار مادية.

منظمة مجاهدي خلق الايرانية





منظمة مجاهدي خلق الإيرانية (بالفارسية: سازمان مجاهدين خلق إيران). هي أكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية.
تأسست المنظمة العام 1965 وعلى أيدي مثقفين إيرانيين أكاديميين بهدف إسقاط نظام الشاه.
تعود سابقة استخدام هذه التسمية (المجاهدين) في إيران إلى عام 1906 في "الثورة الدستورية" حيث كان يطلق على المناضلين من أجل تحقيق الحرية.
وبعد سقوط نظام الشاه نتيجة "الثورة الإيرانية" والتي أدت منظمة مجاهدي خلق دورًا كبيرًا في انتصارها بعد أن أعدم نظام الشاه مؤسسيها وعددًا كبيرًا من أعضاء قيادتها ظهرت خلافات بينها وبين نظام الحكم الإيراني الجديد، وصلت بعد عامين ونصف العام من الثورة إلى حد التقاتل بين الجانبين في صراع محتدم يستمر حتى الآن.
وقامت الحكومة الإيرانية ضمن هذا الصراع بإعدام عشرات الآلاف من أعضائها والمنتمين إليها ولكن المنظمة شدت عزمها على مواصلته نشاطاتها داخل إيران وخارجها حتى إسقاط السلطة الإيرانية الحالية.

وتعد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية جزءاً من ائتلاف واسع شامل يسمى بـ «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» الذي يعمل كبرلمان إيراني في المنفى، و الذي يضم 5 منظمات وأحزاب و550 عضواً بارزاً وشهيرًا من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية والخبراء والفنانين والمثقفين والعلماء والضباط إضافة إلى قادة ما يسمى بـ «جيش التحرير الوطني الإيراني» الذراع المسلح لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية والذي يتمركز حتى اليوم في معسكر «أشرف» في العراق وتكونت أغلبية قادته من النساء.
والمنظمة يتزعمها مسعود رجوي الذي يتولى في الوقت نفسه رئاسة «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» والقيادة العامة لـ «جيش التحرير الوطني الإيراني». وفي أغسطس 1993 انتخب «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» بالاجماع مريم رجوي رئيسة للجمهورية للفترة الانتقالية وهي تتولى مسؤولية الاشراف على نقل السلطة «بشكل سلمي إلى الشعب الإيراني بعد سقوط النظام الإيراني الحالي» حسب تعبير المجلس.

في نوفمبر 2008 وبعد معركة استمرت سنوات امام القضاء الأوروبي، ألغت محكمة العدل الأوروبية قرارا سابقا من الاتحاد الأوروبي
يقضي بتجميد أموال منظمة مجاهدي خلق بسبب ادراجها على "اللائحة الأوروبية للمنظمات الارهابية".
حيث اعتبرت المحكمة في قرارها "أن قرار الاتحاد الأوروبي انتهك حقوق الدفاع لعناصر مجاهدي خلق بعدم امدادهم بالمعلومات الجديدة التي تبرر ابقاءهم على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.. وبرفضها اعطاء المحكمة بعض المعلومات المتصلة بالمسألة".
وبهذا القرار حصلت منظمة مجاهدي خلق بما كانت تطلب به بشأن بشأن تأكيدها عدم ضلوعها في أي نشاطات إرهابية.
ويعتبر صدور هذا القرار تأكيدا منظمة مجاهدي الشعب الذي أكدت على الدوام عدم ضلوعها في أي نشاطات إرهابية، حصلت على ما تطالب به بعد معركة استمرت سنوات امام القضاء الأوروبي.


رفع المنظمة من لائحة المنظمات الإرهابية :
نددت إيران بقرار الاتحاد الأوروبي شطب منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة من قائمة المنظمات التي يعدها الاتحاد إرهابية.
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان لها إن أيدي مجاهدي خلق "ملطخة بدماء الآلاف من الإيرانيين وغير الإيرانيين"، وأضافت أن الاتحاد الأوروبي يتعامل "بمعايير مزدوجة" في موضوع ما يسمى "الإرهاب".
وأضاف البيان أن وراء القرار الأوروبي "أهدافا سياسية غير مشروعة"، وقال إن المنظمة "لم تدن قط العنف ولم تضع السلاح وما زالت تواصل لجوءها إلى الإرهاب".

أحكام قضائية :
وقد قرر الاتحاد أيضا رفع القيود عن أموال المنظمة في دوله. وأوضح منسق الشؤون الخارجية والدفاعية في الاتحاد خافييرسولانا، أن هذا الإجراء يأتي في إطار الالتزام بقرارات قضائية صدرت عن محاكم أوروبية.

وقد جاء القرار الذي اتخذه وزراء خارجية الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد إثر صدور حكم من المحكمة الأوروبية في لوكسمبورغ في ديسمبر/ كانون الأول الماضي يقضي بأنه من الخطأ أن تستمر هذه الدول في تجميد أصول منظمة مجاهدي خلق بعد رفعها من القائمة البريطانية للمنظمات الإرهابية.

وقد وبخت المحكمة في قرارها فرنسا متهمة إياها بالعجز عن تقديم إثباتات على أن المنظمة الإيرانية تشكل تهديدا إرهابيا، كما حكم القضاء البريطاني وفي مايو/ أيار الماضي بشطب مجاهدي خلق عن لائحة المنظمات الإرهابية في بريطانيا.

مصالح أوروبية من جهته قال إمام جمعة طهران المؤقت أحمد خاتمي الاثنين في تصريح لوكالة أنباء مهر إن قرار شطب مجاهدي خلق من لائحة المنظمات الإرهابية يدل على أن الاتحاد الأوروبي "كاذب في ادعائه محاربة الإرهاب".

وأضاف أن الاتحاد بهذا القرار أثبت أنه "كاذب في تشبثه بموضوع الليبرالية الديمقراطية"، وأنه "يستخدم عناوين مثل حقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب أدوات يلوح بها" خدمة لمصالحه.

واعتبر أن هذه الخطوة الأوروبية "تستهدف مواجهة الثورة الإسلامية الإيرانية".
خافيير سولانا قال إن القرار الأوروبي التزام بأحكام قضائية (الأوروبية-أرشيف) حركة معارضة ومنظمة مجاهدي خلق حركة إيرانية معارضة تأسست في العام 1965 على أيدي مثقفين إيرانيين أكاديميين بهدف إسقاط نظام الشاه.

وبعد سقوط نظام الشاه نتيجة الثورة الإسلامية في العام 1979، ظهرت خلافات بينها وبين نظام الحكم الإيراني الجديد وصلت بعد عامين ونصف العام من الثورة إلى حد التقاتل بين الجانبين في صراع أدى إلى مقتل الآلاف.

وتعد مجاهدي خلق جزءا من ائتلاف واسع شامل يسمى بـ"المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الذي يعمل برلمانا إيرانيا في المنفى، ويضم خمس منظمات وأحزاب و550 عضوا بارزا من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية والخبراء والفنانين والمثقفين والعلماء والضباط.

إلا أن إيران تتهم المجموعة "بالخيانة" لتحالفها في ثمانينيات القرن الماضي مع العراق إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الحرب بين البلدين.

نشاطات
قبل وقوع "الثورة الإيرانية" بعد أشهر، وتحديداً في كانون الثاني 1979م، أطلق جهاز السافاك سراح بعض عناصر الحركة، وكان من بينهم مسعود رجوي.
حركة مجاهدي خلق قامت بمهاجمة بعض الأهداف الغربية في الفترة التي سبقت قيام الثورة الإيرانية، ولكنها بعد قيام الثورة الإيرانية قامت بتنفيذ العديد من العمليات العسكرية ضد النظام الحاكم في إيران.. وكان من أبرزها:

- اغتيال بعض رموز الحكم في الجمهورية الإيرانية.
- تفجير مبنى البرلمان الإيراني، على النحو الذي أدى إلى مقتل عدد كبير من النواب.
- تدمير الكثير من المنشآت الإقتصادية الإيرانية.
وتزعم الحركة أنها واصلت عداءها للدول الغربية، وبسبب تورط الحركة في اغتيال العديد من العسكريين الأمريكيين الموجودين في إيران خلال فترة السبعينيات، فقد اعتبرتها بعض الدول الغربية مثل أمريكا وكندا حركة إرهابية.
وتجدر الإشارة إلى أن نظام صدام حسين كان يقدم لحركة مجاهدي خلق الكثير من الدعم المالي والعسكري والسياسي، وبالذات خلال فترة الحرب العراقية- الإيرانية.
استمرت حركة مجاهدي خلق في تبين أيديووجيتها المعادية للنظام الحاكم في إيران، ولكن ما كان مثيراً للانتباه هو قيام الولايات المتحدة حالياً توسيع وتوطيد وجود الحركة في الأراضي العراقية، وأصبحت لها المنشآت العسكرية الآتية:
- معسكرأشرف: وتوجد فيه رئاسات القيادة العسكرية، ويبعد حوالي 100 كيلومتر عن حدود إيران الغربية، و100 كيلو متر شمال بغداد.
- معسكر نزالي: يبعد 40 كيلومتراً عن الحدود الإيرانية، و120 كيلومتراً شمال شرق بغداد.
- معسكر فايزي: ويقع في مدينة الكوت العراقية.
- معسكر يونياد علافي: ويقع بالقرب من مدينة المقدادية العراقية.
----------------------------------------------------
مريم رجوي بقلم مجاهدي خلق :

ولدت مريم رجوي في عام 1953 في عائلة من الطبقة الوسطى. وهي خريجة في فرع هندسة المعادن من جامعة «شريف» التكنولوجية.
وقد تعرفت السيدة رجوي منذ السبعينات وعبر شقيقها الذي كان سجينًا سياسيًا في عهد الشاه تعرفت على مجاهدي خلق وبدأت نشاطاتها بالاتصال مع عوائل الشهداء والسجناء السياسيين وكانت تحررية قادت الحركة الطلابية ضد النظام الملكي. والسيدة مريم رجوي لها بنت، وإحدى شقيقاتها وهي «نرجس» أعدمت من قبل نظام الشاه. كما وفي عهد خميني أعدمت شقيقتها الصغرى وهي «معصومة» بعد تعذيبها وهي حامل. وبعد مدة تم إعدام زوج معصومة أيضًا.
وبعد سقوط النظام الملكي أدت مريم وبصفتها إحدى المسؤولين عن القسم الاجتماعي دورًا مفصلياً في استقطاب طلاب المدارس والجامعات وتنظيم الاحتجاجات في مختلف أحياء طهران بما فيها احتجاجات ربيع عام 1981 والمظاهرات الضخمة التي أقيمت في العام نفسه في طهران يوم 20 حزيران من العام نفسه.
وخلال هذه الفترة كانت مريم مرشحة من قبل مجاهدي خلق في الانتخابات التشريعية للنيابة من طهران حيث حصل على 250 ألف صوت في طهران بالرغم من التلاعب الحكومي بالأصوات بكميات هائلة، وأصبحت بذلك صالحة لدخول البرلمان ولكن نظام الملالي الحاكمين في إيران حال دون دخول حتى واحد من المجاهدين إلى البرلمان ليحتل مقعدًا للنيابة فيه. وبعد انطلاق المقاومة يوم 20 حزيران عام 1981 تم الهجوم على مقر إقامتها لعدة مرات ولكنها نجت من هذه الهجمات.
وفي عام 1982 انتقلت إلى باريس المركز السياسي لحركة المقاومة والذي يتخذ منها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مقرًا له وتولت فيها مسؤوليات مختلفة.
وبسبب ما أبدته من الكفاءة والأهلية المتميزتين انضمت مريم في شهر شباط (فبراير) عام 1985 إلى قيادة المنظمة، وبعد 4 سنوات من ذلك تم اختيارها أمينة عامة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
وخلال توليها هذا المنصب وفّرت التسهيلات والتمهيدات لمزيد من مشاركة النساء في جميع مستويات وفروع المقاومة العادلة الشاملة وفجرت ثورة في جميع نشاطات ورؤى حركة المقاومة الثورية جعلت كل أعضائها قادرين على عظيم الصمود والوقوف بوجه أكثر الأنظمة الديكتاتورية دموية في التاريخ الحديث.
هذا وبفضل قيادة السيدة رجوي وما وفرته هي من الظروف والفرص أمام النساء حصلت النساء المجاهدات على مواقع هامة وخطيرة في المقاومة الإيرانية. وتشكل النساء ثلث أعضاء قاعدة جيش التحرير وأغلبية قادته ونصف الأعضاء في برلمان المقاومة في المنفى (المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية) ويؤدين دورهن الحاسم في جميع المجالات السياسية والثقافية والتنفيذية والإدارية.
وفي يوم 28 آب (أغسطس) عام 1993 ونظرًا لخدماتها وكفاءاتها ومؤهلاتها اختار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية السيدة مريم رجوي رئيسة مقبلة لإيران في فترة انتقال السلطة إلى الشعب.
وعقب ذلك استقالت مريم رجوي في 17 أيلول (سبتمبر) 1993 عن جميع مناصبها في منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وقالت بخصوص موقعها الجديد في المقاومة الإيرانية: ”إني وفي موقعي الجديد أعتبر أن أكثر مسؤولياتي جدية هي خلق تضامن وطني وتوسيع نطاقه... إن حركة المقاومة الإيرانية ليست حركة سياسية فقط وإنما حركة إنسانية تمامًا
مسعود رجوي بقلم مجاهدي خلق :
ولد مسعود رجوى عام 1948 في مدينة طَبَس إحدى مدن إقليم خراسان شرقى إيران. وقضى فترة دراسته الابتدائية والثانوية في مدينة مشهد مركز إقليم خراسان. ثم واصل دراسته في كلية الحقوق بجامعة طهران فتخرج من فرع الحقوق السياسية. وتعرف مسعود رجوى خلال فترة دراسته الثانوية على الفعاليات والأفكار الدينية السياسية آنذاك، وكان مولعًا بآثار ومؤلفات آية الله طالقانى أكثر من غيره.
وانضوى إلى صفوف منظمة مجاهدى خلق الإيرانية عام 1967 عن عمر لا يتجاوز 19 عامًا. ثم أصبح على علاقة مباشرة بمحمد حنيف نجاد مؤسس منظمة مجاهدى خلق وهو كان آنذاك أصغر أعضاء اللجنة المركزية للمنظمة سنًا الذي اختير عضوًا في مجموعة العقيدة بالمنظمة.
واعتقل عند اقتحام جهاز مخابرات الشاه وكرًا للمنظمة في أيلول (سبتمبر) عام 1971 ضمن أولى حملات الاعتقال، فصدر عليه الحكم بالإعدام، إلا أنه ونتيجة الأنشطة والضغوط الدولية تم تخفيف الحكم المذكور ليتحول إلى السجن المؤبد. فآنذاك نظم شقيقه الأكبر الشهيد الدكتور كاظم رجوى حملة دولية واسعة للحيلولة دون إعدامه، فتدخل مرات عديدة لإنقاذ حياته كل من منظمة العفو الدولية والصليب الأحمر الدولي وكذلك شخصيات أوربية بارزة منها الرئيس الفرنسى السابق فرانسوا ميتران. وآنذاك تم توزيع نص مرافعة مسعود أمام محكمة الشاه العسكرية على نطاق واسع في خارج السجن.
أما "السافاك" (شرطة الشاه السرية) التى لم تكن قادرة على إعدامه بفعل الضغوط الدولية فمارست أبشع أساليب التعذيب والأيذاء ضد مسعود حتى السنوات الأخيرة من سجنه، خاصة خلال عامى 1974 و1975 بلغت شدة التعذيب على أيدى جلادى السافاك حدًا تآكلت من جرائه قوته الجسدية حتى بلغت الصفر، ولكنه كان يذل ويخيب السافاك بفعل صموده وصبره بوجه الجلادين.
وفى عام 1975 وبعد توجيه الانتهازيين المتشدقين باليسارية ضربتهم الخيانية على المنظمة نجح مسعود في إعادة تنظيم المنظمة وإحيائها بعد انهيارها وذلك بقيامه بتدوين وتعليم مواقف ومبادئ مجاهدى خلق.
وقد أطلق سراح مسعود رجوى من السجن يوم 20 كانون الثانى (يناير) عام 1979 أى بعد أسبوع من هروب الشاه من إيران بفعل انتفاضة الشعب وضمن آخر وجبة للسجناء السياسيين المفرج عنهم آنذاك.

الجماعات المنظرة.. (منظمة فرسان الهيكل)

قد يجد البعض تقاربا كبيرا في قصة نشأت تنظيم القاعدة الإسلامي, بقصة نشأت جماعة فرسان الهيكل المسيحي.. وربما هذا التطابق لم يأتي وليد الصدفة!!
فهناك قاعدة تحكم كل حدث في تاريخ البشر ولهذا كان أجدادنا حكماء في كتابة تاريخهم حتى نستوعب دروسه دون الخوض في تجارب تكون مكلفة دائما.. وهي "كل البدايات المتشابهة تؤدي إلى النهايات المتشابهة". ففي عام 1118م قامت هذه الجمعية بتسعة فرسان كأعضاء تأسيسيين, كانوا ضمن الحاميات الصليبية المتواجدة في القدس لحماية الحجيج, وأصبحت بعد ذلك من أقوى المنظمات المتطرفة ولقرنين من الزمن, حيث استطاعت أن تخلق لها نفوذا مطلقا في الشرق, انتهى برجوعهم إلى أوروبا واتهامهم بالهرطقة بسب ممارستهم المستفزة ضد القوى المتنفذة في الكنيسة وممالك أوروبا.
ولقد كان الهدف الأساسي لذلك التنظيم الذي رحبت به الكنيسة وقتها, هو دمج هدف الراهب بواجب الفارس عبر شهر سيوفهم لمحاربة العرب المسلمين, مستندين على تعاليم القديس أوغسطين, وتخذوا العذراء راعية لمشروعهم المقدس.
واستطاعوا أن يحصلوا على دعم الملوك الصلبين المعنوي والمادي, فقد كان تحمسهم للدفاع عن المسحية بأرواحهم وما يمتلكون مهما كانت المخاطر وتشبثهم بالأراضي المقدسة وعدم التفريط في شبر منها إلى المسلمين من العهود التي قطعوها على أنفسهم.
وكانت هذه الجماعة في البدء مرابطة في مراكز الضيافة التي نشأت لرعاية الحجيج الذين لا يجدون مكانا للضيافة لعدم تعاون سكان المنطقة من المسحيين الارثودكس.ولقد كانت جهودهم لخدمة الحجيج وحمايتهم, سببا في إثارة الانتباه وحظيهم بدعمهم المادي والمعنوي, وبدأت التبرعات تنهال عليهم من الأمراء والملوك الذين يمرون بهم في طريقهم إلى حج أراضي المقدس, فقد كان غالبيتهم من الفقراء الذين يعيشون على إعانات الكنيسة والمحسنين, ولم يكونوا يجدون في ذلك أي مشكلة باعتبارهم من الفرسان الذين اختاروا حياة التقشف والرهبان في سبيل الواجب المقدس.
وظلوا لتسع سنوات من تأسيسهم لجمعيتهم يلتزمون بمظهر التقاء والطهارة, وفجأة بدءوا يتصرفون بوقاحة واستعلاء.
ومع الأحداث السياسية التي كانت تشهدها الأراضي الإسلامية وقتها من انشقاق وضعف, تكونت أجواء محركة للعامة من المسلمين في الاتجاه للضغط على حكامهم في سبيل إتحاد الجهود وتحرير الأراضي المحتلة التي تأتي معها قطع للطرق التجارية وتهديد لأمن الحجيج المسلمين في طريقهم إلى الحجاز.
فرأى الملوك الصلبين في فرسان الهيكل قوة إضافية في إيطار تجهزهم للمعارك ضد المسلمين. وهكذا تم اعتراف الكنيسة بفرسان الهيكل بفضل توصية من الملك بولدوين سنة 1127م إلى بابا الفاتيكان هونوريس وأختار لهم بنفسه زيا يمثلهم في رداء أبيض, وفي عام 1146م أضاف البابا يوجين الثالث عليه صليبا أحمر.
وقد قام زعيم الجمعية بجولة عبر ممالك أوروبا لحشد أعضاء ومتطوعين, حصد خلالها أموالا وأسلحة وأراضي من تبرعات المؤمنين لهم والعديد من الهدايا.. وانظم إلى صفوفها فرسان من أرقى العائلات في أوروبا.
أقام فرسان الهيكل علاقات متميزة مع طائفة الحشاشين, فكل الشواهد تقول بأن فرسان الهيكل في سنة 1127م أي في سنة تنصيبهم رسميا من الكنيسة, كانوا ضمن حامية عسكرية مرابطة للسيطرة على دمشق بتحالف مع الحشاشين لتحقيق ذلك. وترد شواهد أخرى على أنه كان هناك إستلامات لمبالغ مالية من منظمة الحشاشين, ما فسره المعاصرون لهذه المعاملات, من أنها دعم من المنظمة الأم للمنظمة الأصغر وهناك من فسر على أنها كانت عبارة عن جزية..
وفي الواقع تلك التعاملات المالية, كانت جزء من علاقة مصلحة بين منظمة إرهابية (الحشاشين) ومليشيات في طريقها إلى الترقي إلى منظمة قوية (منظمة فرسان الهيكل), يجب أن تضمن تعاونها حتى لا تخرج الأمور عن سيطرتها, ففي حالة تواجد الصليبين, في حالة تحفز للحرب, لا يكون هناك إمكانية لتفرغ الممالك الإسلامية للحد من نشاط الحشاشين, وفي نفس الوقت تضمن تسهيل مرور قوافلها التجارية عبر الأراضي التي يسيطر عليها الصليبين أو منعها من دخول الأراضي الإسلامية بهدف خلق اضطراب وخلل في اقتصادها.
فقد كانت ممارسة فرسان الهيكل تشير على أنهم يحاربون من أجل أنفسهم ومصالحهم كما تفعل كل الميلشيات الان, فالقوة التي اكتسبوها بدعم من الكنيسة والممالك جعلتهم يوظفونها لمصالحهم أكثر من توظيفها لخدمة الصليب.فأعضاء تلك الجمعية لم يكونوا يستلمون أوامرهم إلا من زعيمهم ولم يحملوا الولاء لأي حاكم في المنطقة, فكانوا يمثلون دولة داخل الدولة وخارجة عن أي توجيه أو سيطرة.
ولأحد كانت لديه القدرة على تحديد لمن كان انتماءهم فعليا, فأحيانا كثيرة كانوا يتعمدون خرق الهدنة واتفاقيات الصلح مع المسلمين كي تجدد الحرب من جديد, كوسيلة لسيطرة على الوضع السياسي باعتبارهم من يجيد لعبة الحرب. وأحيانا تجدهم يرفعون لواء التضامن حين يعلن المسلمون الحرب على الصلبين, كما حدث حين أعلن صلاح الدين الحرب على الصلبين وطلب رفع الألوية لكل جماعة مسلمة ترغب في الجهاد معه, فكان لواء أحد قادة فرسان الهيكل من ضمن تلك الألوية.كانت نهاية فرسان الهيكل والصلبين في المشرق على يد صلاح الدين, وانتقل فرسان الهيكل بذلك إلى أوروبا حيث كانت بدايتهم الثانية, ولم يفقدوا نفوذهم مع أكثر من 7000 مقاطعة ومؤسسة ضمن ممتلكاتهم, توزعت على كل ممالك أوروبا , فحين كان مقرهم الرئيسي في باريس بفرنسا, والتي ضمت بداخلها كنوزهم التي جمعوها من السطو على القوافل وعلى مواكب الأمراء العرب. مما شجع الكثير من ملوك أوروبا المفلسين تقريبا بعد الحروب الخاسرة التي دعموها في الشرق, على التجرؤ عليهم واتهامهم بالهرطقة.
ورغم أن توزعهم المنظم في أوروبا كان كفيلا بتمكينهم من السيطرة السياسية كقوة ضاغطة كما كان الشأن مع منظمة الحشاشين, إلا أنهم لم يكن لديهم أي خطة إستراتجية للمستقبل, فكل اهتمامهم كان في الظهور بتعالي وغرور بالنفس مكتفين بوضعهم الاجتماعي كأرستقراطيين, حتى أنهم لم يفكروا في التدرج في السلم الارستقراطي أكثر مما كانوا عليه.
وربما هذا فسر شكل تنظيمهم في الشرق, فهم اختاروا أن يكونوا تجار حرب, وميلشيات لتقديم خدمات قتالية وأحيانا إجرامية لصالح كل الأطراف, مما يدل على أنهم لم يكونوا ممن يسير اللعبة السياسية ولم يستوعبوها وإنما كانوا جزءا من اللعبة السياسية التي كان يقودها أنداك المسلمين والحشاشين والصلبين.
وبانتهاء الحرب بدءوا بعيش حياة كل تجار الحرب بعد أن تنتهي اللعبة ويلتفتوا أخيرا إلى الاستمتاع بما جمعوه بالدم من تلك الحروب.. لتشكيل منظومات تجارية تعتمد على الكم لا على الكيف. تكون عوائدها لصالح زعماء المنظمة وامتيازاتهم, وبالقليل على القسيسين والإخوان الخدم كأعضاء جدد في المنظمة.
لقد كانت نهايتهم على يد ملك فرنسا فليب الأشقر الذي خشي عند إفلاسه من تنامي نفوذهم, وكذلك لعلمه الشخصي بمقدار ثرواتهم الموجودة داخل المركز الرئيسي بباريس, فاستطاع بالحيلة أن يقلب الكنيسة والعامة عليهم من خلال ربط تحركهم إلى الفاتيكان للاجتماع بالبابا بإشاعات تشير إلى أن الاجتماع كان في الواقع استفسار عن عقيدتهم, إلى أن أستطاع إقناع عضوين مطرودين من الجمعية (كانا في سجنه لمشاركتهما في الثورة ضده), من الشهادة ضد الجمعية وفضح ممارساتها الخارجة عن معتقدات الكنيسة. وتم القبض على أعضائها بطريقة سرية ومفاجأة في يوم الجمعة الثالث عشر من ديسمبر 1307م.
فمن خلال إفادة الشاهدين أتهم أعضاء الجمعية بنكرانهم الصليب واعتقادهم بأنه لم يصلب وإنما كان شخص أخر من صلب مكانه, وعبادتهم لصنم داخل كنائسهم يدعى "باموفت" وأصنام أخرى لها ثلاثة وجوه معتقدين أنها تمنحهم القوة والدعم عند مسح أحزمتهم عليها وهي حسب معتقدهم مصدر الثراء وخصوبة الأرض, وأنهم يسمحون لأعضاء الجمعية بممارسة كل أعمال الفسوق.. وغيرها من التهم التي كانت موجهة إليهم, وقد مورس كل أشكال التعذيب على أعضاء الجمعية بغرض الحصول اعترافات على تلك التهم, لكنهم أنكروها, وتم اتهام كل من تطوع للدفاع عنهم من الفرسان بإعلانهم الهرطقة ومن تم حرقهم قبل أن تبدأ المحاكمات.
ورغم أن العديد لم يصدقوا تلك الاتهامات التي وجهت إلى الجمعية لأنها كانت اعترافات تحت الابتزاز والتعذيب, ولأن الهدف من تلك القضية كان لوضع اليد على ثروات الجمعية, إلا أن هذا لم يمنع معظم الباحثين من تصنيف فرسان الهيكل كأتباع غنوصيين.. فهناك علامات في سيرتهم الذاتية كانت تشير إلى أن لدى أعضائها معتقدات غنوصية, منها طريقة دفنهم, حيث تكون سيقانهم متقاطعة في التابوت, ويرمز لقبورهم برسم فارس تطأ قدمه كلبا..
ثم طقوس تعميد أعضائها الجدد خصوصا وأن الجمعية تشكلت من المسحيين العرب من ساكنة فلسطين الذين كان معظمهم يمارس طقوس الغنوصية والمانويية, وبالرجوع إلى الرمز المهم في جمعية الغنوصين نجد فكرة ثمثال الفارس الذي يحمل الذرع من أهم رموزها, كما أن علاقات الفرسان في الشرق مع كل الأطراف والتي لم تكن تحمل أي إنتماء, (إلا هدفهم للارتقاء إجتماعيا), وهي فلسفة من فلسفات الغنوصية أيضا..

الجماعات المنظرة.. (الغنوصية وعقلية أتباعها )

تعتبر الغنوصية من الديانات التي إرتبط بها الكثير من الجدل وتضاربت الدراسات بشأنها, فلا أحد يستطيع أن يحدد مكان نشأتها بالتحديد ولا ماهية المعتقد الذي يظهر من الخارج كخليط بين دين سماوي ودين وثني وأحيانا يظهر على أنه فلسفة دينية أساسها مهرطقون أذكياء.ويعتقد العديد من الباحثين أن ظهورها كان في مصر وأنتشر بعد ذلك في فلسطين وسوريا, وهناك من يرجح أنها ظهرت بعد رفع المسيح عليه السلام ممن آمنوا بالمسيح من الطائفة اليهودية.

لكن المنطق يقول أن هذا النوع من الطوائف لا يظهر بإتفاق جماعي إنما بمبشر يحمل فكرة ما للدين ويجمع من حوله أتباعه. وأرجح أن فلسفة الفكرة قامت على ثنائية الخير والشر, فتصورت الجماعة المؤسسة أنها ستمثل الخير الذي يحارب و ينتصر على الشر, وذلك من خلال صقل النفس أولا وإيجاد توازن داخلي للنفس حتى يعود بالنفع على المجتمع, لكن هذا العنوان الذي يطفو على السطح كان يخفي بداخله أفكار أخرى !!

---------------------
إبراكساس والميثرا
حسب الاكتشافات لعدد من المخطوطات بمنطقة نجى حمدي في مصر يرجع تاريخها إلى ما بعد ظهور المسيحية, كان من أغرب شخصياتها (أبراكساس) هو شعار يمثل جسم إنسان مرتد زي عسكري حامل في يده اليمنى فأس المعارك وكأنه يهدد عدو, أما في اليد اليسرى فيحمل درعا بيضوي منقوشا عليه كلمات القوة (أيو) وكلمة السبت, (وفي إعتقادي أن كلمة (أيو) تمثل إسم تلك القوة الخفية التي تتجسد في يوم السبت كيوم مقدس لها), أما رأس تلك الشخصية المخيفة فكان على هيئة طير فاتح لمنقاريه, أما الساقين فتظهر على شكل أفعيين ملتفتين وتحتهما يوجد رسم لصاعقة (وقد اشارنا في مقال سابق كيف أن زيوس كبير الالهة اليونانية كان شعاره الصاعقة).
وتعتمد الجمعية على تمثيل شخصياتها بالارقام, فعلى سبيل المثال يرمز لشخصية إبراكساس بالرقم 365 , وقد تكون جمعا لعدد أيام السنة في عبادة الشمس, أو عدد غرف قصور التبابعة اليمنين. أما في عبادة الميثرا فيشكل هذا العدد الرمز الباطني للميثرا 365. (وقد أشارنا في مقال أمس كيف أستقت المسيحية طقوسها الكنائسية من طقوس الإحتفالية لمعابد ديانة الميثرا).
ولكن يبقى السؤال.. إذا كانت الغنوصية في أصلها طريقة خاصة بتنشئة الكهان ذاخل الشعوب الوثنية, فلما عادت للظهور بعد ظهور الديانات السماوية في شكلها الغنوصي؟

-----------------------
عقلية أتباع الغنوصية
من الجانب النفسي لعبت رغبة تلك المجموعة في تحقيق التميز عن الاخرين, وإقناع أنفسهم قبل الاخرين أنهم يمتلكون معرفة تفوق المتعارف عليه وتلبي رغباتهم في إحساسهم بالقوة (عبر إعتقادهم بإمتلاكهم لقوى مافوق الطبيعة ليست بمتناول كل الناس بل لقلة مختارة), في إرضاء مشاعر العظمة لديهم.
أما من الجانب العقائدي,يمكن أن تفسر تعاليم الغنوصية ما كانت تمثله الرموز العقائدية لدى المجتمعات من خلال المقاربات التي قام بها أتباعها بين الديانة السماوية والوثنية, فمهما حاول مبشروا الديانة السماوية محو كل أثر ظاهر للطقوس الوثنية السابقة, إلا أنهم أبدا لم يستطعوا محو معانيها الرمزية لدى تلك الشعوب لأنها تجدرت في ممارساتهم اليومية وحتى في أعمالهم الحرفية, فبمجرد أن يبحث على إحيائها أحدهم حتى تطفو للسطح من جديد, لأنها مرتبطة أساسا بالخوف الجماعي لدى المجتمعات..
وقد وجدت من خلال بحثي, أثارا واضحة للغنوصية في الجبال المحيطة بصنعاء وبالتحديد في فج عطان وجبل النهدين والجبال المجاورة لها وجبل نقم, وعلى مشارف حوافي القلاع القديمة المشيدة على قمم الجبال في كل من سنحان وخولان وأنس, وهذه الآثار لا تثير الانتباه في بادئ الأمر, لأن الزمن لعب بمعالمها لكن بالتدقيق تتكون أمامك صورة عن شكل الشيء الذي نحث مند آلاف السنين على حافة تلك الجبال, حيث تظهر بوضوح رأس لأعفى في شكل منصة وأحيانا في كل جهة يظهر نحث لرأس أفعى ضخم وفوقها يوجد نحث ضخم لرأس طائر في شكل نسر فاتح لمنقاريه, وأحيانا تجد النسر فوق حجر يمثل ثلاثة وجوه..
مما يدل على أن الغنوصية مجرد إحياء لمنظومة وثنية قديمة, كانت لها بالتأكيد أرضية مسبقة من الأساطير التي شكلت جزءا من ثقافاتهم الموروثة, والتي بالتالي أستقت منها رموزها الخاصة..
المعتقد الغنوصي لايزال موجودا في مجتمعاتنا, بل وأتخذ له أشكالا أخرى !! فمن خلال دراستي لحالات اصطدمت بها بالصدفة, تمكنت من رؤية شكل المعتقد من الداخل, وفسر لي توجه الباحثين لرؤيته في شكل خليط بين الديانات السماوية والوثنية مما يعطي انطباعا أنه مجرد هرطقة.فبالرجوع لأسلوب التدريب والتجهيز النفسي لكهنة طيبة, وكذلك أتباع الميثرا الذي كان يعد حصريا للنخبة, نجد تقارب كبير بين مفاهيم الغنوصية, و مراحل التنشئة التي يمر بها الكهنة المختارين من الفرعون لإعدادهم وبين عقلية تلك الحالات التي عرضتها للدراسة. مما يجعل فرضية أن الغنوصية كانت في الأصل علما يخص الكهنة أو كما يسمى بالسادن لدى عرب الجاهلية, الأقرب إلى تفسير ماهية الغنوصية.
-----------------
المعتقد الغنوصي
وحسب ما يدعيه الغنوصين فإن بإستطاعة الإنسان أن يصل إلى أعلى درجات القوة عن طريق تطوير آفاقه الذهنية, إذ يتعين عليه الصراع والكفاح لأجل الوصول إلى المعرفة الغنوصية, وحسب فلسفتهم للمعرفة فإنها معرفة ذات طبيعة صوفية وليست مجرد مجموعة من الحقائق, مما يجعلها في الواقع مجرد وجهات نظر يغلب عليها الغرور وتضخيم حجم تلك المعرفة التي يتوهم العضو الغنوصي أنه يمتلكها, لأنها في الأساس لا تخرج عن ما يتعارف عليه في علوم السحر والتنبئ والسيطرة على الاخرين عبر معرفة فنتازية يتوهم العضو أنها من أسرار ما فوق الطبيعة, والتي يكون مصدرها تلك القوى الخفية التي يستسلم لها على أنها المصدر الوحيد للحكمة والمعرفة والقوة, ويصل إلى درجة من القناعة تجعله يرفض أي تفسير منطقي لأي حقيقة علمية أو دينية فكل الأمور المتشابهة في أي مجال لديها ربط بشكل ما لديه بتلك القوة أو بقوة مماثلة لها.فأبرز تعاليمهم تقول بأن هناك قوة خارقة غير منظورة يمكن للإنسان الاتصال بها والسيطرة من خلالها على نفسه وتحديد مصيره, واعتقدوا بأن العديد من الرموز الدينية عبر التاريخ تمكنوا من الاتصال بتلك القوة.
قد تختلف تلك التعاليم من جمعية غنوصية لأخرى, إلا إن العامل الثابت يبقى في هدف تلك التعاليم, وهو الوصول إلى الشيء الذي يحتاجه الشخص في لاوعيه.. فحسب اعتقادهم, أنه بداخل كل شخص هناك رغبة غير ملباة, وأن المعرفة الغنوصية هي وسيلته لتحقيق تلك الرغبة, وأيضا تحدد مصيره للوصول إليها مهما كانت تلك الرغبة.
وقد منح الإنسان تلك الأحاسيس لأجل البحث عن الطرق التي تمكنه من تحقيقها, فسعيه إلى الوصول لقلب حبيبه, ونجاح تجارته أو ارتقاءه إلى أعلى منصب في وظيفته وحتى أن يكون في مرتبة من السمو الروحي والقداسة في شؤونه الدينية, غالبا ما تبوء بالفشل مع نوعية من الناس يكون طموحها عاليا فتحصرها في أحلام اليقظة أو في حسدها للآخرين, ففي أحيان كثيرة تكون تلك النوعية من الناس تفتقد إلى المؤهلات الذاتية للاجتهاد والمثابرة للوصول إلى أهدافها.
وقد تضمنت الغنوصية أسرارا خفية لخضوع الشخص لطقوس معينة تضمن قبوله في الطائفة, وهي نفسها الأسرار التي تمكن الشخص المتقدم في الطائفة من الاتصال بالأعضاء المستهدفين أو من أختارهم كأتباع.
------------------------
القوى الخفية والتعميد
وترتكز الغنوصية في تعميد أشخاصها على صراعه الداخلي ومشاعره للوصول إلى القوة التي تمكنه من الشيء الذي يريده, من خلال تركيزها على أشخاص لديهم مؤهلات معينة تمكنها من صقل نفوسهم, فلا تختار شخصيات تتسم بالواقعية أو ممن شهدوا تجارب قاسية تخطوها بنجاح, بل ترتكز على أناس عديمي التجربة أو أشخاص لا يستطيعون إيستعاب تجاربهم والاعتراف بأخطائهم, بل تجدهم طوال الوقت يحاولون التظاهر بالكمال والفرار من أي محاسبة إما لحساسيتهم الشديدة أو لرغبتهم إقناع الآخرين أنهم دائما على حق بسبب مشاعر الحسد والأنانية التي تسيطر على تصرفاتهم.
كما تركز الغنوصية على دقة اختيار المعلم للطريقة المناسبة لأتباعه, فهناك من يرى في الجنون المؤقت والإثارة وسيلة لتحرر العقل من تعقيدات الجسد, فيما يجد معلمون آخرون في الصوم والتأمل وسيلة بسيطة وناجحة لتحرير العقل, مع أن الجمعيات التي أنبتقت عن الغنوصية, وجدت في تمرير الشخص بشتى الوسائل تؤدي النتيجة نفسها مع أشخاص في مجموعة مختلفي الأمزجة.
ورغم أن البداية مع كل الأعضاء تكون واحدة من الجانب النفسي حيث يعتقدون بقناعة شديدة أنهم من نخبة مختارة شاء القدر أن يكونوا بعد فترة من الزمن شخصيات مهمة أو أن يمروا بتجربة مصيرية يرتبط بها مصير الأمة بأسرها, وعليه يمكن بعد المرور باختبارات معينة, الحصول على أسرار الحكمة التي تمكنه من الوصول إلى ذلك القدر, إلا أنهم يخرجون من تلك التجربة نوعين من الأعضاء الغنوصية :
أعضاء نصف مجانين ينتهي بهم الأمر إلى المكوث في سجن التجربة ورفض أي واقع آخر معتقدين أنهم وصلوا إلى مرحلة من التجلي الديني واستطاعوا صقل شخصياتهم وأذهانهم بالحكمة المستنيرة..
ونوع آخر يصبحون عبيدا لتلك القوى فلا يمكنهم تحديد أي خطوة في حياتهم دون مباركة تلك القوى كما تنموا لديهم الرغبة في امتلاك كل ما يريدون مستندين ليس على الثقة بأنفسهم وإنما بقدرة تلك القوى في تحقيقها لهم, وأغلبهم ينتهي بهم الأمر إلى التحول إلى أشخاص فارغين من المشاعر والمبادئ ويختلف مفهوم الأخلاق لديهم, فالمهم بالنسبة إليهم الوصول إلى ما يريدون بأي ثمن, مما يصل بغالبيتهم إلى الجنون الكلي عندما لا يصلون في نهاية إلى ما تعودوا الحصول عليه بسهولة فيعتقدون أن تلك القوى أوقفت مباركتها وعونها لهم, فينتهي بهم الأمر إلى فعل أي شيء في محاولة للحفاظ عليها, حتى وإن كان ارتكابهم لجرائم !!
ورغم أن الغنوصية كانت عند نشأتها تحافظ على سرية تعاليمها وطرق تعميدها باعتبارها شكل لتجربة دينية متميزة كما اعتقد أعضائها, إلا أن الظهور لجمعيات اعتمدت على تعاليمها لتشكيل أتباع مخلصين بهدف الوصول إلى السلطة أو تسخير نفسها لمصالح جماعة معينة, جعل تعاليمها بمتناول الجميع, وذلك بتتبع طرق التجنيد وتحليل طريقة تفكير أولئك المجندين.
فمن خلال الحالات التي حاولت الاقتراب منها لدراستها, لاحظت أن مجملهم كانوا من المدمنين على اللجوء إلى المنجمين لقراءة الطالع, أو ممن أدمنوا على تحضير الأرواح الخفية حسب زعمهم (تلك الأرواح ما هي إلا قرين جن الشخص المطلوب !!) لطرح أسئلة مباشرة عن ما يخصهم وما يخص غيرهم.
الحالة الاولى استغربت فيهم أنهم دائما يلفظون نفس الإجابة عندما يتم تحذيرهم من خطورة تلبس تلك القوى بهم, فيقولون ( هم في الاصل جاءوا بإذن الله لإنقاذنا من سيطرة روح شريرة أرادت أذيتنا, هم فقط من الجن المؤمن الذين سارعوا لنجدتنا ونشأت بيننا صداقة).. وعندما يتم سؤالهم إذا كانوا على صلة بهم, يجيب أحدهم بأنهم أعطوه آيات معينة من القرآن عند قرآتها يحظرون لتلبية طلباته, ويتم سؤاله حتى عن العلوم والسياسة والدين, ومستقبلهم!!
والشيء الذي صعقني هو المستوى الثقافي والتعليمي العالي لأولئك الأشخاص, فلم أستطع استيعاب كيف اقتنعوا بتلك الخزعبلات على أنها حقائق حصرية لا يستطيع أفقي استيعابها !!
الحالة الثانية كانت لآخرين كادوا يقعون في نفس الفخ, أكدوا لي حسب تجربتهم أن تلك القوى الخفية تستحوذ عليهم تدريجيا من خلال ملازمتها لهم طوال الوقت, فيتم سماع أصواتها بعد ذلك بالإيحاء العقلي وبعدها يسمعونها في أذانهم مباشرة, وأحيانا يحسون بنفخ لريح ساخنة على الرقبة أو الوجه جهة اليسار, إلا أن الشيء الذي يجمع تلك المجموعة هو رغبتهم الغير مسيطر عليها بعد ذلك في ممارسة الجنس, مع أي كان وكيفما كان.
فتجد معظم أحاديثهم عن الجنس وعن مقدرتهم الجنسية الغير معتادة, فيهيأ لك وأنت تحادثهم أنهم في حالة فصام للشخصية, بين عدم الثقة بالنفس أمام أي أحد يحاول أن يصحح معلوماتهم وتصرفاتهم اللامنطقية, وبين أشخاص لديهم بوادر جنون العظمة ويعتقدون أنهم أكثر الناس جاذبية وإبهار والقدر قد أختارهم لمصير غير اعتيادي!!
أما الحالة الثالثة.. فقالت أن تلك القوى تحظر في هيئة قط ويتكلم معها كما يتكلم البشر!! وحين أستدرك أحدهم بأن هذا عمل شيطاني, أجابت بالنفي وبقناعة تامة أن ذلك القط هو جن مؤمن بالله, وجاء ليبشرها بأنها ستكون ذات شأن في سنوات المقبلة وستنتقل من اليمن إلى بلد آخر حيث ستصل إلى مرتبة النبوة, وأنه أمرها بالنظافة المستمرة وملزمات الطيب والعطور في كل مكان تكون فيه حتى تجالسها الملائكة, ويأمرها دائما بالتدين وصقل النفس لكي تتهيأ لقدرها المنتظر. مع أن ما فهمته من حديث من يعرفونها أنها كانت تمارس الدعارة في السابق ومدمنة على الشعوذة!!
وهنا يمر المرشح بأكثر من تجربة باتصاله مع تلك القوى الخفية, فتكون النتيجة في معظم الأحيان بعدم رضى تلك القوى عن تصرفه, لكنها تمكنه من فرصة أخرى يكون فيها قدره مختلفا!! وبالطبع يكون الشخص جاهزا لتغير مصاره كما شاءت تلك القوى لسببين,أولهما أن فشله في امتحانه السابق خلق عنده نوع من الرفض للشيء الذي فشل فيه مع وجود شاهد خفي يعتقد أنه يعلم ما يفكر فيه وما يريد إخفاءه, باعتباره مرافقه الدائم باختياره في الحالات الأولى والثانية.. أو وسيلة اتصال بينه وبين الذات الإلهية كما يتوهم في حالة الثالثة, فلا يستطيع تبرير فشله كما كان يفعل سابقا إنما يفرح بالمصير الجديد الذي نبأته به تلك القوى الخفية والتي وعدته بمساعدته في تحقيقه!!

الجماعات المنظرة.. (أتباع آلهة الميثرا)

لطالما حاولت أن تبرهن أدبيات الرومان أن الانتماء إلى طائفة (الميثرا) يهذب أخلاق الإنسان, فقد ورد في تلك الأدبيات أن أتباع تلك الطائفة أناس يمكن الاعتماد عليهم, صادقون وذو أخلاق عالية وخير ذليل على ذلك أنهم يتقبلون توبيخ أعدائهم بروح التسامح !!
فقد وبخ تيرتوليان مجتمعه في كتابه الموسوم (دي كورونا) ولفت أنظارهم إلى تعاليم الميثرا طالبا منهم الاقتداء بها حيث قال مخاطبا زملاءه المحاربين
"يجب أن تشعروا بالخجل عند مواجهتكم لأي جندي من طائفة الميثرا فعند أانتماء العضو إلى تلك الطائفة في الكهف يعرض عليه التاج ولكنه يرفضه بازدراء وينذر نفسه لخدمة عقيدته فلقد أستطاع الشيطان عن طريق ولاء أتباعه من جعلنا نشعر بالخجل من أنفسنا"
-------------
أصل الميثرا
اعتبرت (الميثرا) من أقوى الظواهر التي اجتهدت المسيحية في روما على القضاء عليها, وهي ديانة اعتنقها المحاربون العائدون من الشرق.. حيث انتشرت عبادة الميثرا من موطنها الأصلي بلاد فارس إلى عدة أقطار وحواضر العالم القديم, واستطاعت الوصول إلى بابل واليونان وانتهت بروما حيث اصطدمت بالمسيحية عند بداية انتشارها كديانة للدولة, واستطاعت المسيحية كديانة أخلاقية أن تنافس غريمتها وتنتصر..
ورغم ذلك ظلت هناك فئة تعبد أله النور في أوروبا, بل وكان لها معابد وأحدها لزال في لندن.

الميثرا في الأصل جني ويمثل إله النور وحامي الحقيقة وعدو الظلام عند الفرس ويمثل الدنيا وقوة غير مرئية تحكم شؤون البشر. وأتباعها يعتبرون أنفسهم الوسطاء بين الإنسان وآله النور عند الفرس وهذه الديانة هي جزء من ديانة أهور- امزدا الخالق الأعظم الذي كانت ديانته منتشرة في يوم ما من الهند إلى سورية.
وكان أتباعها يؤكدون أن عبادتها تمكنهم من النجاح الدنيوي والأمان والسعادة في العالم الآخر.. وتطور الأمر مع أتباع ذلك الجني إلى الإيمان بأنها ليست جنيا واحد من ضمن مجموعة من 28 جنيا في خدمة ديانة اهور-امزدا, وإنما الميثرا الجني الوحيد الذي يحقق رغبات الناس ويلبي احتياجاتهم..
عمر هذه العبادة يتجاوز 6000 سنة , بعمر أهورا- مزدا الذي تشتت أتباعه على يد أحد ممثليه, والذين كانوا من الشعوب الآريين القدماء, ولا تزال التنقيبات الأثرية تكشف كل يوم سرا من أسرار تلك الديانة التي امتدت كما أشرنا من الهند إلى سورية, وتعتبر طقوسهم أكثر شيء يمكن من خلاله قراءة طريقة تفكير أتباع تلك الطائفة وطقوسها السحرية..
وتتميز الطائفة باستخدامها لثلاثة أشياء :
التاج الذي يرمز إلى الشمس والقوة ذات الطبيعة الخارقة.
والمطرقة التي ترمز إلى النشاط الخلاق للإنسان.
والثور الذي يرمز إلى الطبيعة والرجولة والإخصاب.
وبإدراك رموز تلك الأشياء يؤمن أتباع تلك الطائفة بأن بمستطاع الإنسان تحويل محيطه بحيث يصبح ذا شأن وناجحا وقادرا على أن يحقق رغباته وأن يتمتع بالسعادة في العالم الآخر بعد الموت.

لكن ماذا يتعين على المؤمن بتلك الطريقة أن يعطي مقابل ذلك؟

-----------------
ببساطة عبادة مبادئ تلك الديانة !!
والتي تسيطر على مصير أتباعها وتحاصر خياراتهم.. وتلك التقيدات التي فرضت على قبول الاشخاص أتباع للميثرا كانت أحد الأسباب التي أدت إلى فقدان تلك الطائفة لأهميتها. فهي كانت بشكل ما ديانة للنخبة, وحدد أعضائها بالأشخاص الذين يعتقد بأنهم مؤهلون لاستسلام البركة التي تأتي عن طريق الايمان بمعتقدها, واستخدام ذلك الايمان لتسخير القوى السحرية التي يشرف عليها كهنة تلك الطائفة (المثرا) وهكذا كانت عبادة لنخبة مختارة من الميثرا نفسها كي يكونوا أتباعا ووسطاءا للعامة.
أما المسيحية فكانت مفتوحة أمام الناس (رغم أن ديانة النخبة عادت مع الغنوصيات المسيحية ولم يكن من السهل إدراكها أو الوصول إليها من قبل الجميع حتى زمن متأخر).
رغم هذا فقد طبعت الكثير من طقوس الميثرا الاحتفالية طقوس الكنائس المسيحية, واتفق المتخصصون على أن الجانب الطقسي للمسيحية قد أستنبط الشيء الكثير من طقوس آله الشمس عند الفرس.
----------------
درجة الارتقاء لدى الطائفة
أدنى درجة للانتماء بتلك الطائفة تكنى ب(السر المقدس), ويمكن لأي فرد الانتماء لتلك الدرجة. ومن الناحية النظرية تعني قبول أي شخص يمكن الاعتماد عليه في حفظ السر.
حين يتطور إلى متعبد دائم ومخلص وينتقل إلى درجة (الغراب) وترمز حسب المعتقدات أتباع الميثرا ممات أحد أعضاء الطائفة وانبعاثه كإنسان جديد.
وممات ذلك الفرد يعني نهاية حياته كإنسان غير مؤمن ونهاية ولائه إلى المعتقدات السابقة غير المقبولة.. واستخدام كلمة الغراب ربما استنبط من ممارسات الفرس القديمة بتعرض موتاهم للغربان لنهشها.

وما تزال طائفة الزرادشتيه تمارس هذه الطقوس في الهند حيث يتركون موتاهم في العراء لنهشها من قبل الغربان والطيور الجارحة الذين ما يزالون يؤمنون بالديانة الفارسية التي بشر بها زرادشت.
لم يكن الغراب يرمز فقط إلى الموت بل كان المندوب المخول بحمل جسم الإنسان بعد الممات, وهذا يعني أن مرتبته فوق البشر, وبهذا كان يرى أتباع الطائفة أنفسهم أعلى من مرتبة الإنسان العادي.

ومن الطقوس التي يتبعها أتباع طائفة (الميثرا) هبوط سبعة سلالم إلى المعبد الذي صمم على هيئة كهف حيث تجري فيه طقوس الانتماء إلى تلك الطائفة. وتبدأ الطقوس كالتالي :
يطارد المرشح الذي يرغب في الانتماء للطائفة من قبل كهنة متنكرين بجلود حيوانات وحشية وعلى هيئة شياطين وبجميع الأشكال التي تثير الرعب في نفس المرشح.. وقبل نزول الكهف, يتعين على المرشح الصوم لمدة ثلاثة أيام وفي حالة الوهن بين الصيام والمطاردة, يقوم الكاهن بإلقاء محاضرة عليه يبين له فيها المسؤوليات الملقاة على عاتقه..
ومن بين تلك المسؤوليات قصر استخدام أخ على أتباع الطائفة فقط وقطع الروابط العائلية وتكريس نفسه للقيام بواجباته على الوجه الصحيح كعابد للميثرا.

وتجري الطقوس الأخيرة وسط قرع الصنج والطبول ورفع الستارة عن تمثال الميثرا الذي يظهر على شكل رجل يرفع ثورا من ساقيه الخلفيين وفي تلك اللحظة يشرح للعضو الجديد دلالة الرموز في تمثال ميثرا..

فالثور يمثل الغرائز والإخصاب وعن طريق الابتهال إلى الميثرا يصل الإنسان للتغلب على تلك الغريزة وعليه فإن السر في ديانة الميثرا يتلخص بضبط النفس والجسد لأجل سيطرة المرشح على نفسه وعلى الآخرين.
(آلية السيطرة على الغرائز الجنسية وتحويلها إلى القنوات الروحية لدى أتباع الميثرا, شبهها الباحثون بطريقة المدارس الصوفية الأخرى التي تؤمن بضبط النفس والجسد لأجل إظهار القوى الكامنة لدى الفرد. وهم يختلفون في تلك الناحية عن المدارس البدائية الأخرى الأقل أهمية والتي يشكل الانغماس في الملذات والغرائز الجنسية جزءا من عبادتها في مراحل الارتقاء العليا).

بعد المثول أمام ثمتال الالهة يتناول المرشح قليلا من النبيذ بواسطة الصنجة التي أستعملت في تلك المراسيم.. بعد ذلك يصاحب المرشح الكهنة الذين سيباركونه متقدمين نحو الصحن الداخلي للمعبد لتناول رغيف الخبز في الوقت الذي يشاركه الركوع مجموعة من الأعضاء على جانبي المقاعد الحجرية الواطئة التي تعترض الكهف السري.. ويوضع فتات من رغيف الخبز اليابس على الطبلة المشابهة للطلبة التي قرع عليها أحد الكهنة بنقر خافت.
ويتناول العضو قطعة من فتات الرغيف كإشارة لقبوله بالديانة الميثرا كمصدر لطعامه, مع العلم أن رغيف الخبز الذي تناوله من فتاته المرشح كان قد ثم تعريضه لأشعة الشمس لامتصاص بعض خواصها, وبهذا يكسب المرشح خواص الشمس نفسها بتناوله الفتات !!

ويطلق على المرحلة التالية من الطقوس أسم (القسم), حين يكون المرشح جاهزا نفسيا مع حالة النشوة والتجلي وهو يعتقد أن تمثال الميثرا يحمل حياة بداخله وأنه قبل به كخادم له بعد تقديمه الخبز والماء أمامه قاطعا وعده بخدمته بكل ما يمنح له من أدوات.

وتبين درجة (الجندي) بأن الفنون العسكرية كانت مسئولة لدرجة ما عن قوة ونفوذ أتباع الميثرا في بلاد فارس القديمة وليس هناك ادني شك في أن المحاربين الرومان الذين شكلوا جزءا كبيرا من صفوف تلك الطائفة خلال توسعاتهم في الغرب, قد أعجبوا بدرجة الجندي في تلك الديانة, وكانت سببا في انجدابهم إلى عبادة الميثرا..

وفي تلك المراسيم أيضا ترسم علامة مشابهة للصليب ترمز إلى الشمس على جبهة المرشح للانضمام إلى الطائفة إذ تعني تلك الإشارة أنه أصبح تابعا إلى الإله. ويوضع أمام المرشح تاج متدل من طرف سيف, ولكن يتعين على المرشح أن يأخذ التاج ويضعه جانبا, مرددا أن ميثرا وحدها هي تاجه.

وفي تلك المرحلة يتعين على المرشح القيام بقتال تمثيلي قد يؤدي بحياته أحيانا .. وبعد فترة من الزمن على مروره بمرحلة الجنود تتم الترقية إلى درجة الاسد, حيث يقاد إلى نفس الكهف ويسكب على جبينه وحاجبيه العسل هذه المرة وليس الماء كما حدث في أول تعميد له..
ولا يصل إلى هذه المرحلة إلا من نذروا أنفسهم لخدمة الديانة وينقطع الأشخاص الذين يحتلون تلك المرتبة عن الحياة الاعتيادية تماما, فالشخص الذي يحمل مرتبة الاسد يعتبر بمثابة راهب حيث يتم تدريبه على طقوس تلك الديانة كما يتم اطلاعه على بعض الأسرار.

وتمنح درجة الأسد عندما تحتل الشمس برج الأسد (21 يوليو إلى 20 غشت), وذلك خلال شهر الأسد عند الفرس.
و يؤمن بشدة أتباع هذه الديانة أن هناك سحر تنجيمي في ديانة الميثرا إضافة إلى مزيج من صفات الاعداد الباطنية, فالفرع اليوناني لطائفة الميثرا على سبيل المثال أستنتج أن العدد المساوي لكلمة ميثرا والتي تلفظ عندهم ميترا هو 365, وهذا عدد يقابل عدد الايام الشمسية ..
والغريب أن أتباعها أمنوا بأن إسمها في حد ذاته فيه شيء من السحر وأي درجة يحتلها العضو في الطائفة تمكنه من قوى سحرية, فإذا ما أراد الشخص تحقيق شيء ما يتعين عليه التركيز على الميثرا كقوة بحد ذاتها وأن يهيء نفسه لطقوس القرع برتابة الطبلة والصنجة.. وهذا شيء شبيه بما يسمى بالليلة لدى أتباع الاضرحة والحضرة..

هناك سبع درجات في طائفة الميثرا وخمس درجات في فروع النشوة لتلك العقيدة وبذلك يصبح مجموع الدرجات إثنى عشر درجة, فبعد درجة الاسد يأتي (الفارسي), (مسير الشمس), (درجة الاب), (أبو الاباء), وغيرها من التسميات لكن تبقى الدرجة الثانية عشر (ملك الملوك) حصريا لشاهنشاه ملك ملوك فارس.
وتبقى عقيدة الميثرا المنبع الام لعقائد العديد من الجمعيات السرية التي مازالت قائمة بقوة إلى يومنا هذا.. وصدرت تعالميها من الناحية التنظمية أو طرق التجنيد التي كانت تهدف إلى خلق تجربة حقيقة أو خيالية لدى أعضائها توهمهم بأنهم لديهم قدرات على الاتصال بقوى خارقة حصريا..
حيث كانت تعتمد على العنصر السحري وإيمان أتباعها بالقوى الخفية التي تبنوا عبادتها حتى تمنحهم الوصول إلى ما لايستطيعه البشر العادي !!
لم تتعارض الميثرا مع أهداف المجتمعات التي تزدهر فيها, لذلك لم تهدد أي نظام شاعت فيه, كما كانت متسامحة مع المعتقدات الاخرى ولم تحاول قمعها.
ومن أكبر احتفالات الميثرا ولادة الشمس الذي يصادف في الخامس والعشرين ديسمبر والذي أصبح عيدا لدى المسحيين
مثلما استوعبت العديد من تعاليم الميثرا وقبلت ببعض التعاليم الخارجية التي حولتها فيما بعد لاستخداماتها الخاصة..

الجماعات المنظرة.. ج.-2- ( طائفة الحشاشين)

أسست منظمة الحشاشين على يد حسن علي الصباح, أو كما يطلق عليه في أخبار الظهور بشيخ الجبل, وهو من طائفة شيعية في خرسان, وقد أدعى أبوه علي الصباح أن أسلافه كانوا من العرب الذين قطنوا مدينة الكوفة في العراق, لكن من يعرفونه كانوا يأكدون أنه فارسي أبا عن جد, ولكي يثبت أهليته الدينية, اعتكف في أحد الجوامع وأرسل إبنه حسن إلى إحدى المدارس العليا التي كان يرأسها الامام موفق, والمذكورعن هذا العالم أن كل تلاميذته كانوا يلتحقون بمناصب عليا في الدولة.
هناك ألتقى حسن بالشاعر والفلكي الفارسي عمر الخيام, ونظام الملك الذي صار فيما بعد رئيسا للوزراء. ونشأت صداقة حميمة بين الثلاثة لدرجة أنهم تعاهدوا أن أول من يصل إلى السلطة يدعم الاثنين الاخرين, وقد ورد ذلك في سيرة نظام الملك. وبعد فترة قصيرة أصبح نظام الملك وزيرا للسلطان ألب أرسلان, سلطان تركيا في بلاد فارس, وسارع لمساعدة عمر الخيام حسب العهد الذي قطعوه سابقا, حيث خصص له راتبا شهريا فحين انغمر عمر الخيام في بحثه العلمي وكتابة رباعياته, أما حسن فقد اعتمد على الانتقال من بلد لاخر بحثا عن فرصة توصله إلى السلطة.

عند وفاة السلطان ارتقى نظام الحكم إلى رئيس للوزراء لدى ولده ملك شاه الذي خلف والده. وهنا ظهر حسن الصباح ليطالب نظام الحكم بتنفيذ وعده وذلك عبر منحه منصبا في البلاط, لكن حسب ماذكره نظام الحكم في مذكراته, خيب حسن الصباح ظنه حيث قال ( لقد نجحت في تعينه وزيرا في البلاط وذلك بناء على التوصية التي قدمتها بشأنه إلا أنه برهن بأنه إنسان زائف ومنافق وأناني, شأنه في ذلك شأن والده, لقد كان ذكيا فقد حاول الظهور بمظهر الانسان النقي الذي لم يكنه, وخلال فترة قصيرة تمكن من سلب عقل الشاه).
فقد تمكن حسن من الحصول على ثقة الشاه الصغير السن معتمدا على ماتلقنه من والده من أساليب الطائفة الاسماعلية, وهنا حاول التخلص من نظام الحكم, فاستغل أول فرصة له حين طلب الشاه سجلا لايرادات ومصروفات الامبراطورية, فكان جواب نظام الحكم انه موضوع يستغرق سنة على الاقل, هناك إدعى حسن الصباح أنه بإمكانه إنجاز العمل خلال أربعين يوما, ونجح في تقديم المعلومات المطلوبة في الوقت المحدد, مما جعل نظام الحكم يفكر في قتله لولا عشرة الدراسة التي حالت دون ذلك, لكنه نجح في إيجاد أخطاء في سجل الايرادات والمصروفات, وكانت معها نهاية حسن الصباح حيث نفاه السلطان إلى خارج البلاد فاتجه إلى أصفهان وهو عازم على جمع أتباع والرجوع للانتقام, ويبدو أنه اكتشف الوسيلة, فسافر إلى مصر حيث لجأ إلى إحدى الخلايا التي تبشر بتعاليم الاسماعلية,حين أدرك جوانب القوة في تلك التعاليم.. حيث ركز على وسائل تحويل الاتباع إلى المؤمنين مخلصين ومتعصبين, وأستطاع ابتكار خطة وأسلوب جديد للسيطرة على أتباعه, فقد أدرك كذلك العيوب في الطريقة الكلاسكية للطائفة الاسماعلية, فليس كافيا قطع وعد للناس بالجنة والسعادة الابدية, فقرر خلق تلك الجنة لهم وتقريبهم من مشاعر السعادة التي يوعدون بها.
فأنشأ جنته في واد جميل يقع بين جبلين شاهقين, شيد بذاخلهما حدائق مليئة بالفواكه اللذيذة والقصور المزينة بالذهب والجواهر المزيفة, وأنشأ قنوات مليئة بالعسل واللبن والخمر. كما جلب بذاخلها جواري فاتنات ومحترفات في العزف والغناء والرقص, ودربن على أغاني الغزل والسعادة, وكان لايسمح لهن بالخروج من تلك القصور أبدا. وإبتكر هندسة ذكية للمكان لإخفاء تلك الجنة عن العيون فلا يمكن لأحد دخولها إلا عبر ممر سري.

وبدأ حسن بجدب فتيان مابين الثانية عشر والعشرين من العمر, وخاصة من القرى وضواحي المدن حيث يختار كل من رأى فيه قابلية لان يكون مجرما وقاتل.
وعبر المجلس الذي يعقده كل يوم, كان يتحدث عن مباهج الجنة, وفي أحيان كثيرة يوضع مخدر في شراب الفتيان الذين يحملون في نصف وعيهم إلى جنته الاصطناعية, وحين يفيقون يجدون أنفسهم بكل حواسهم في الجنة وبكل التفاصيل التي ذكرها حسن الصباح.. فيتعلقون بذلك المكان ولا يتخيلون أنفسهم بعيدين عنه, وبعد مرور بضع أيام, يتم تخديرهم ونقلهم إلى نفس المكان الذي حملوا منه أول مرة, فيتحدثون أمام الحاضرين الجدد عن ماشهدوه في الجنة, وعن رؤيتهم الصالحين الذين يبشرون بحسن الصباح في الجنة, فيقول حسن, (لدينا تأكيدات من نبينا أنه من يدافع عن سيده مهدي آخر الزمان فسيدهب إلى الجنة, وإذا أخلصتم لي فتلك الجنة ستكون لكم)..
وقد حاول الكثير منهم الانتحار والذين نجوا منهم قالوا بأن طاعة حسن الصباح تهبهم مفتاح الجنة. فقد كانت طريقة حسن تنجح مع كل الخلفيات الثقافية و الطبقات الاجتماعية. وتضاعف عدد الاشخاص المؤمنين بحسن من الذين أحسوا تلك الجنة بحواسهم في حالة التخدير.

وقد أستعمل حسن الصباح بجانب جنته, أمور دجل أخرى كان من بينها ما ذكره عبد الرحمن الدمقشي في كتابه (فن الدجل), حيث قال (كان لحسن حفرة ضيقة عميقة وغارقة في أرضية القاعة التي يستقبل فيها الناس, وكان أحد مريديه يقف في تلك الحفرة, بحيث لايشاهد إلا رأسه وعنقه وكانت توضع حول العنق صحن مدور مؤلف من قطعتين متساويين ويوجد ثقب في وسط ذلك الصحن المعدني, ولقد كان الشيء يعطي الانطباع بأن هناك العديد من الرؤوس موجودة على أرض القاعة ولاجل إضافة شيء من الواقع القابل للتصديق..)
وهنا يأمر التابع له في الحفرة بوصف ما شاهده, فيجيب المريد واصفا الجنة, فيجيب حسن ( لقد شاهدتم رأس رجل ميت تعرفونه جيدا, ولقد جعلته يتكلم بلسانه).. وبعد ذلك يقطع الرأس بكل غدر ويرمى في مكان عام حتى يراه الناس ويصدقوا أنهم كانوا بصدد سماع شاهدة لرأس ميت!!
فحسن إستطاع بهرطقته ودجله أن يؤسس أقوى منظمة إرهابية شهدها التاريخ, بدءا باللعب على نفسية الوالي في القاهرة عندما وصل إليها منفيا من طرف السلطان, فوجد نفسه في السجن الذي لم يلبث فيه طويل, فهناك صومعة في سجن إنهارت فجأة مما جعل الوالي يصدق هرطقة حسن الذي لم يكف عنها وهو في سجنه مكررا أن العناية الالهية ترعاه.. فأخرجه السطان مع كم من الهدايا النفيسة التي كانت ما ممول جنته الاصطناعية, ولم يكف طوال رحلة العودة في إستغلال كل حادث قدري لكي ينسبه لرضاه أو غضبه على المحيطين من حوله, محافظا بشكل عجيب على أعصابه مهما كانت أهمية ذلك الحادث, إلى أن تمكن من جمع أتباع لابأس بهم, أوكل لهم مهمة تشكيل خلايا في أماكن تواجدهم وحيث تعمل بنفس آلية معسكرات التدريب الفاطمية في القاهرة.
إلى أن وصل إلى العراق, حيث أقنع أصحاب المنطقة التي اختارها لقلعته بالايمان بمعتقده, وكان هدفه كل أصحاب السلطة والوجاهة في العراق, حيث نجح في ضمهم إلى أتباعه, وبعدها شيد قلعة علموت في منطقة جبلية وعرة, وخلال سنة واحدة فقط استطاع أن يسيطر على جيش, يفوق جيش الوالي, حيث حول سكان المناطق والقرى المجاورة له إلى عمال وجنود مخلصين له, لايتحركوا أو يترجعوا إلى بأوامره.
وبعد عامين من ذلك طعن نطام الملك بيد أحد أتباع حسن الصباح.. وبعدها مات الملك مسموما بعد أن أرسل جيوشه لمحاربة حسن الصباح, وهناك تفرقت الدولة إلى مليشيات تتصارع على السلطة, مما جعلهم لقمة سائغة في يد حسن, الذي استخدم أسلوب الاغتيالات السياسية بخناجر مسمومة تكون غالبا من أحد حرس تلك الشخصيات الذين صاروا بطريقة ما من أتباع الحشاشين.

وبسيطرته على العراق وفارس, بجيش من الاتباع (المرتدين للبياض ومتمنطقين بالاحمر وبقبعات وأحذية حمراء), أصبح لحسن علاقات خارجية مع أوروبا, حيث كان ينفذ مهام التنظيف بدلا عنهم, من خلال عمليات إنتحارية لأتباعه, الذين دربوا على ذلك من خلال أساليب التخفي والوصول إلى أهداف الاغتيال وكذلك اللغات وآداب الرهبان والتجار وتمثيل كل العادات لمختلف الثقافات الموجودة آنداك, لتمكينهم من التخفي الجيد. وبعد تنفيذ مهمتهم بخناجرهم المسمومة يطعنون أنفسهم!!! ومع هذا لم يتوقف عن شن الهجمات ضد الصلبين لضمان تأييد العامة له, رغم علاقته المتميزة مع جماعة فرسان الهيكل الصلبية!!
وبعد أربعة وثلاثين سنة من سيطرته على منظمة الحشاشين, من حجرة ذاخل قلعة علموت لم يغادرها إلا مرات قليلة, كان لزاما عليه أن يخطط لإستمراره حتى بعد موته. فلم يكن له وريث بعد مقتل ولده الاكبر ووفاة الاصغر بسبب إدمانه للخمر, فاستدعى مساعديه حيث أسند لاحدهما يدعى كيا الامور الروحية, وأسند لمساعده أبا علي القزويني
الشؤون العسكرية.
بعدها خرج من غرفته عبر ممر سري تاركا وراء خفيه, حتى يوهم أتباعه أنه رفع إلى السماء وسيعود عند نهاية العالم, وهذا يعني في العقيدة الاثنى عشرية, تواجده الروحي مع أتباعه!!

ورغم أن منظمة الحشاشين شهدت زعماء عديدين طوال تواجدها الرسمي قبل نهايتها كتنظيم علني على يد جيوش هولاكو المغولية, إلا أنهم لم يكونوا أقل جنونا من مأسسها, فمعظمهم إدعوا النبوة والباقين إدعوا الالوهية!!
لكن يبقى حسن الصباح المنظر الفعلي لمفهوم الارهاب, بمفهومه التنظيمي ومصطلحاته وأيديولوجيته.. لقد كان أول من أسس مفهوم الانتحاري الموجه وأطلق عليه إسم الفدائي (بعد ظاهرة الساموراي الذي يعتبر إنتحاري مخير كمحارب ياباني ينهي حياته بإختياره بشرف وهذا ما ألهم الطيارين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية), وكان حسن أول من أسس شكل الخلايا الارهابية والتي عادت للظهورعلى السطح في أماكن وأزمنة مختلفة وحتى حافظت على استراتجية حسن التنظيمية, من خلال تشكيله لخلايا فدائية يتزعم كل منها شخص مستقل يدعى أمير الجماعة, كما قلص درجات الانتماء إلى سبعة, وجعله الرقم المنظم في منظمته بعد أن كانت عند الفاطمين تسع درجات, واهتم بشكل المكلفين بالاستقطاب حيث كان يعتمد الدقة فيهم, وفراستهم في الالمام بسيكولوجية الاخريين, وقدرتهم على تمييز الاشخاص المناسبين لضمهم إلى التنظيم..
فكانت أول قاعدة يلتزم بها المبشر هي عدم زرع بدور في الصخر.
القاعدة الثانية هي إختيار الوسيلة المناسبة للتقرب إلى الاشخاص المناسبين لزرع تلك الافكار بالمديح وكل عمل يعطي ذلك المستهدف ثقته للمبشر.
أما القاعدة الثالثة هي زرع بدور الشك في أذهان المستهدفين عبر تزويده بمعارف واسعة وجديدة.
والقاعدة الرابعة, قسم لأولئك المستهدفين بعدم تفريط بالحقائق التي ستكشف إليهم.
وفي المرحلة الخامسة يتم تأكيد أن المنظمة لها قوة ونفوذ بدعم من شخصيات مهمة.
بعدها يتم تطويع المرشح إلى خلق أفكاره وأراءه الشخصية التي تخرج على الايديولوجية الخاصة بالمنظمة, وهنا يطلب من العضو التأمل في الايات التي تذكر الجهاد في القرآن, وحديث الرسول محمد (ص) الجنة تحت ظلال السيوف, بعدها يتم حشو أفكاره بكل المعاني المجازية للأيات معينة في القرآن الكريم.
لكن يظل هناك عنصر مهم في هذا السلم الارتقائي, وهو نبتة "الحشيش والافيون" التي أخدت المنظمة إسمها, أي لابد من مصاحبة تلك العملية بعامل يعود الدماغ على نشوة معينة تصبح جزءا مهما لفصل الشخص عن واقعه العادي أو طبيعته المعتادة كشرطية مهمة لتحريك مشاعره وحصرها في جهة معينة.
وبنجاحه يكون قد أجتاز المرحلة السادسة, وفي هذه المرحلة بالذات يتم تأسيس فكر جديد للعضو الذي يتوقع منه أن يعتمد على ذكائه ومعارفه التي اكتسبها ذاخل الجماعة للتحرك الذاتي والمستقل عند استلامه أي مهمة, مع التقيد بسياسة الجماعة والحفاظ على مصالحها.
أما المرحلة السابعة, فهي الطموح في الارتقاء في السلم العسكري للمنظمة وشغل مناصبها العليا عبر العمل الجاد.
وتعتبر تعاليم الحشاشين وطرقهم, المرجع الاساسي للجمعيات السرية التي نشأت في أوروبا كجماعة فرسان الهيكل, وجمعية يسوع وجماعة الدومنيكان الشرسين وجماعة الفرانسيسكان المعتدلين, وجماعة البناءين التي تفرعت عنها الماسونية.
فحسب المستشرف (أس أمير علي) أن الصلبيين كانوا على إطلاع بتعاليم الحشاشين وأسرارهم الكثيرة, وكانت الاساس لتشكيل العديد من الجمعيات السرية والدينية والعلمانية في أروبا من خلال إستعارتهم مفاهيم الحشاشين من خلال تطابق طرقها مع طرق تلك الجمعيات في الإستقطاب العضو وتدرجه في سلم الارتقاء والسيطرة على الاتباع المخلصين.

ورغم أن منظمة حسن قد أنتهت مند 600 سنة إلا أن كل الشواهد تقول العكس, فقد تسبب تشتيتهم في بناء جماعة متفرعة عنها بزعماء جدد مع التطوير المستمر لأساليبهم, في كل من الهند وإيران وأفغانستان وسوريا, واليمن. فكل تقارير المستشرقين والبعثات الدبلوماسية الاروبية إلى بداية القرن الماضي كانت تؤكد إستمرار المنظمة في نشاطها وحتى وجود علاقات تواصل سرية من بلد إلى آخر.
ففي القرن الثامن عشر أكد القنصل البريطاني في حلب (سوريا) وجود الجماعة ويبدو أن الاوروبين في ذلك التاريخ كانوا يعلمون خطورة مثل تلك التنظيمات أكثر من العرب الذين لم يهتموا خلال التواجد العثماني بالرجوع إلى التاريخ وفهم عبره, فقد قال القنصل في أحد رسائله محذرا : (أكد بعض المؤرخين بأن التاتر تمكنوا من القضاء على جماعة الحشاشين في القرن الثالث عشر إلا أنني تمكنت من التأكد من خلال وجودي في هذه المنطقة, من أن بعض عناصرها ماتزال تعيش في الجبال المحيطة بنا).
وحتى في كتب الرحلات, فقد أشار إبن بطوطة في كتابه عن تواجدهم متحصنين في مقراتهم السابقة بعد أن أعادها إليهم السلطان المملوكي جزاءا لبلائهم في مساعدته في حربه ضد التاتر, وبعدها صاروا تنظيما للمرتزقة لكل من يريد التخلص من خصومه السياسين.

أما القنصل الفرنسي في حلب فقد أكتشف في سنة 1810م تواجدا لجماعة الحشاشين في باريس يعترفون بزعيم روحي يقال عنه أنه من أحفاد الزعيم الرابع لقلعة علموت عاش في قرية كيك التي تقع بين أصفهان وطهران, وأن أتباعه الذين كان يطلقون عليه خليل الله, كانوا يتقاتلون فيما بينهم للحصول على قلامة أظفاره عند تقليمها ويعتبرون المياه التي يغتسل بها مقدسة, ولم تكن تلك الجماعة التي كان يقصدها القنصل إلا جماعة البهرة أو مايطلق عليها المكارمة في اليمن.
وتوجد أدلة كثيرة عن إستمرار المنظمة بنشاطها السري عبر طائفة البهرة في أرشيفات البريطانية والفرنسية التي صارت في متناول الجميع في هذا الوقت..

الجماعات المنظرة للفكر الاثنى عشري والسني المتطرف الحالية (ج -1-)

لنقترب من رؤية ذاخلية لفكر تلك الجماعات سنتناول الطوائف التي لازالت إلى يومنا هذا مستمرة بفكرها وأتباعها, كيف نشأت وماكانت أفكارها؟ وأين يتمركز أتباعها حاليا؟

الاسماعلية
تشترك الاسماعيلية الاثناعشرية مع الموسويين الاثنى عشرية بمفهوم الائمة المنحدرين من النبي محمد صلى الله عليه و سلم وابنته فاطمة رضي الله عنها ولكن انشق الاسماعيليون عن جمهور الشيعة الاثناعشرية عند الامام السادس (جعفر الصادق) ومن سيخلفه من ابنائه. فجنح الاسماعيليون مع ابن جعفر الصادق الاكبر "اسماعيل" بينما تبنى الموسويون ابنه الاصغر "موسى الكاظم".

ولكي يكتسح التشيع المجتمع المصري ذو الخلفية السنية أنذاك, كان لبد من إستخدام أساليب ماكرة, فقد كان أول عائق أمام الفاطمين هو الوسطية والنظام الاجتماعي الذي كانت تتمتع به كل المجتمعات السنية أنذاك, فتم بأمر الخليفة السيطرة على كل المدارس والجامعات, وتم توظيف معلمين ماهرين في نقل الافكار والاقناع, حيث نجحوا في أن يجعلوا تلاميذتهم يعتقدون أنهم يمتلكون قوى خفية وحكمة من الله, ببركة الخليفة الذي يتلقى ذلك الوحي من السماء باعتباره المهدي المنتظر حسب زعمهم.
وقد أولى الخليفة كل الاهتمام بمعلمي تلك المدارس, فكان يختارهم بنفسه ويشترط فيهم أن يكونوا من أكبر العائلات ومعظمهم كانوا من حاشيته ومن كبار رجال الدولة, كرئيس القضاه وقائد الجيش وخيرة وزرائه. وكان يغلب على تلك المدارس طابع الصرامة والحزم في تطبيق تعاليم الخليفة وتوجيهاته, فكان أمام أولئك المعلمين إقناع طلابهم بالمذهب الجديد بكل الوسائل والطرق الماكرة, وكان الخليفة يراجع تلك الدروس بنفسه ويوقعها على قبولها والتي كانت تشمل الرجال والنساء. وبعد نهاية تلك الدروس كان على الطلاب تقبيل ختم الخليفة باعتباره المهدي المنتظر.
ومع أنه فرض مذهبا جديدا إلا أن ذلك لم يتعارض مع إثرائه لمكتبات تلك المدارس بأعظم المخطوطات والكتب القيمة, فالعلم الخارجي لم يتعارض مع إدعائه النبوة, لأن كل تلك الكتب كانت تعلن عن ظهوره وعن علامات يوم القيامة, وعليه اهتمت تلك المدارس بتحويل أفكار طلابها كليا, عبر خطة تعليمية على تسع مراحل, شكلت درجات الارتقاء في سلم الطائفة.
وتكون البداية بزرع الشك في عقول الطلبة حول مختلف الافكار الاجتماعية والدينية والسياسية, بإستخدام التشابيه والايات المتشابهة, وعبر النقاش المعتمد على إنهاك رصيد معلومات أولئك الطلاب, فينتهي بهم الامر إلى أن يعتقدوا بأن كل المعلومات السابقة كانت خاطئة إما لتحيز معلميهم السابقين أو جهلهم. والهدف من ذلك هو تطويع الطالب للالتفاف حول شخصية معلمه بإعتباره المصدر الوحيد للمعلومة الصحيحة والصادقة حول مجمل الحقائق, وأن كل حقيقة موجود جزء منها بذاخل كل شخص لكنها تنتظر القدر لكي تعلن عن حاجتها في الاكتمال مع الجزء الاخر الذي يملكه العارف الحكيم, حيث كانوا يأسسون نظريتهم تلك على قصة سيدنا موسى والخضر عليهما السلام.
بعد إقتناع الطلبة بتلك النظريات يتم عرضهم للقسم والحفاظ على سرية المعلومات التي تمكنه من القبول به كفرد في الطائفة كدرجة أولى من الارتقاء.
أما الدرجة الثانية فيلقن الطالب معرفة جديدة أساسها أن الائمة الاثنى عشر هم وحدهم من يملكون المعرفة بعد النبي محمد عليه الصلاة والسلام, وأن علمهم لايكون إلا للخاصة, وهو الان ملك للطالب بإعتباره أصبح من أتباعهم المختارين.
وهنا علينا الاشارة إلى أن أسطورة الائمة الاثنى عشر ليس لها أي مرجع من القرآن أو السنة, بقدر مالديها أدلة إرتباط بالمعتقدات الوثنية القديمة المثمتلة في عبادة الكواكب لدى الحضارات الوثنية القديمة

عند التأكد من أن الطالب كان يرى في كل معلومة وعمل يقوم به معلمه شيئا خارقا للعادة, ويتم التأكد من إكتمال قناعته بتلك الافكار, يتم نقله إلى الدرجة الثالثة, حيث يتسلم مفاتيح أسرار القوى الخفية التي في اعتقادهم يهبها الله لأتباع الامام المبشرين بالحكمة. وهي سبعة أسماء سرية للأئمة, وهنا يتهيأ الطالب لخدمة الطائفة.

في الدرجة الرابعة, يتلقى الاسماء السرية التي تمنح له لتكتمل معرفته الالهية وهي, آدم, نوح, إبراهيم, موسى, يسوع, محمد, إسماعيل. وكذلك أسماء مساعديهم وهم شيت وشيم وإسماعيل وهارون وشمعون وعلى ومحمد بن إسماعيل, وشخصية أخيرة تكون روح لميت عزيز أو معروف يكون رسوله للمعرفة بينه وبين تلك الشخصيات, هذا دون أن ننسى أن الطالب لايزال يعتقد أنه يتلقى تلك التعاليم بأمر من الله وهبة منه باعتباره من المختارين ذوي العلم الرباني أمثال العبد الصالح, سيدنا الخضر (ع).

في الدرجة الخامسة يتم تلقين الطالب الذي تسلح بقواه الربانية حسب توهمه, كيفية السيطرة على الاخرين من خلال التركيز الشخصي والتأمل ضمن خلوة, وذلك بترديد كلمة سر تعطى له لفترة طويلة, وتحريك عينه بين نقطتين بلونين مختلفين.

في الدرجة السادسة, يتم تلقينه طريقة النقاش التحليلي المدمر من خلال المرور بامتحانات قاسية للسيطرة على أعصابه حتى يتم التعود على عدم التفوه بأي سر من أسرار جماعته, وكذلك كيفية السيطرة على خيوط أي نقاش لصالحه.

في الدرجة السابعة, يجب على الطالب في هذه مرحلة أن يرى فيها, أنه أقوى من كل المخلوقات, لأنه يملك مساعدة القوى الغامضة الخفية المثملة في رسوله مع الشخصيات السرية.

أما في الدرجة الثامنة, لبد أن يخرج منها الطالب على قناعة بأن دينه والعلوم التي يعرفها سابقا وكل الحقائق التي يعلمها عن مجتمعه كلها خداع, وأن بإمكانه تحقيق كل شيء عن طريق القوى الخفية التي منحت له ككل المختارين من أتباع الامام.

وتأتي الدرجة التاسعة, لتكشف له عن السر, بأنه لم يكن هناك شيء أسمه إيمان وكل مايهم هو العمل, وأن من يمتلك المؤهلات للقيام بأي عمل لأجلها, فهو رئيس الطائفة أو مندوبها في مكان آخر جديد.

وقد نجح الفاطميون الاسماعليون في السيطرة على القاهرة لوقت طويل, وشهدت مصر معهم حوادث غريبة لحكامها الاسماعليين الذين تعاقبوا عليها, من منعهم لأشياء وفرضهم لأشياء غريبة, كمنع خروج النساء من بيوتهم لمدة 7 سنوات وإلزام الرجال والنساء بإرتداء ألوان معينة في أوقات معينة, ومنع تناول الأطعامة باللون الاخضر, وذلك لأن الطريقة الاسماعلية كانت تعتمد على غسيل للدماغ بالألوان الطبيعية السبعة في ثنائية كالتالي.. وهي الابيض والازرق \ الابيض والاصفر \ الازرق والاصفر \الاخضر والاسود \ الاحمر والابيض \ البني والابيض..
لم يتمكن الفاطميون من المحافظة على توسعهم والسيطرة على الامبراطورية الاسلامية, فقد كان للامتداد التركي دور في القضاء عليها تدريجيا, ولكنها خرّجت عددا من الاتباع الذين نجحوا في التبشير بتعاليمها وخلق جماعات لاتزال قائمة إلى يومنا هذا, مؤمنين بالنبؤة التي تقول بأن الامر بالله سيعود في آخر الزمان ليجد أنصاره وأموالهم وعتادهم في إنتظاره وتحت إمرته!!

ولعل معظم جمهور الاسماعيلية يتمركز في شبه القارة الهندية والسعودية وسوريا واليمن وشرق القارة الافريقية. وفي الاونة الاخيرة، انتشرت الاسماعيلية في القارة الاوروبية وامريكا الشمالية نتيجة هجرات الاسماعيليين لتلك الاماكن.
و قد ذكر "الأمام" الأمير أغاخان الثالث في مذكراته المنشورة أن الإسماعيلية في عصره تتواجد في بعض المناطق من صعيد مصر، وهو إمتداد للوجود الإسماعيلي في مصر سواء في العصر الفاطمي و بعده حيث يذكر شمس الدين الدمشقي و الذي عاش في العصر المملوكي ( القرن الثامن الهجري ) في مصنفه نخبة الدهر عند حديثه عن بلدة أصفون القريبة من الأقصر أنه وجد بها: (( طائفة من الإسماعيلية و الإمامية و طائفة من الدرزية و الحاكمية )).

ويتزعم الاسماعلية الآغاخانية حاليا "الإمام" كريم بن علي بن محمد شاه الحسيني حيث حدث أول انقسام بين صفوف الشيعة عند الإمام السادس جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر حيث ساقت الإسماعيلية الإمامة في ولده إسماعيل و استمرت الإمامة بعده حتى "الإمام" الحاضر كريم شاه الحسيني.
أما الفرع الثاني من الشيعة فقد ساقت الإمامة في الابن الأصغر للإمام جعفر الصادق موسى الكاظم حتى الإمام محمد بن الحسن العسكري المعروف بلقب المهدي المنتظر الذي اختفى بسرداب في مدينة سامراء العراقية ويعتقد اتباعه انه سيظهر ليملأ الأرض عدلاً و قسطاً بعد أن ملأت ظلماً و فجوراً.
ومن بين الفرق التابعة له حاليا, جماعة جند السماء بزعامة مرشدها أحمد بن حسن اليماني والذي قتل في حسب المصادر الامنية العراقية في عشوراء 18 يناير 2008, بعد أن حاولوا كعادتهم تحية إمامهم الذي يظهر حسب معتقدهم يوم عشوراء بدماء العاصين والمدنبين. وكذلك جماعة الحوثي في اليمن مع أنه بعد ظاهرة العائدين من العراق, تشير بعض الدلائل إلى أنه صار لجماعة جند سماء فرع تابع لها من العائدين اليمنين في مناطق مأرب وحضر موت وعدن..
وهذا ما تشير إليه حادثة إستهداف السياح في وادي دوعن في حضر موت من شهر يناير 2008.

أسطورة البعث والمعتقدات السحرية


أغلب الجماعات السرية أرتكزت على شيئين هما أسطورة البعث والمعتقدات السحرية, قد يختلف التغليف المقدم من جماعة لأخرى لكن يبقى المضمون واحد والنتائج كذلك !!
أسطورة البعث-------------
أسطورة البعث كانت حاضرة كمؤسس لعقيدة دينية لدى الفراعنة من خلال أسطورة إيزيس وأزوريس, فتحنيط جثت الموتى وتقديس شعائرها لم يكن من اختصاص الفراعنة المصريين فقط.. وإنما عرفتها كل الحضارات.. وإختلافها من شعب لأخر ما هو إلا تطوير لتلك الشعائر رغم أن بعض الشعوب البدائية كانت تكتفي بصبغ جثة الميت باللون الاحمر كتمهيد لطقوس أخرى في اعتقادهم لن يحظرها إلا الميت في العالم الاخر..
المعروف أن مقابر الملوك التبابعة والمقابر الحجرية المحفورة في الجبال على طول امتداد مملكة الأنباط, كانت تحمل موميات من ضمن شعائر مقدسة في تعامل تلك الشعوب مع فكرة الموت, كما كان الحال مع الموميات الفرعونية, حيث كان الأنباط يضعون الميت في تلك البيوت الحجرية المنحوتة في الجبال مع كل ممتلكاته الثمينة وأحيانا مع خدمه حسب ثراء الشخص المقام جنازته, لاعتقادهم بفكرة الخلود في عالم الأموات وبعثهم من جديد.
و يرتبط هذا بشكل أو بأخر بقدسية الكهوف لدى الشعوب البدائية والقديمة لديهم حيث كانت ترتبط بديانة خاصة كما كان الحال مع "الربة إفري" لدى البربر الامازيغ وربما لدى اليمنيين لأني وجدت أثارا لتلك العبادة في منطقة أنس وكذلك مجسم اثار لعبادة الكبش في كل من أنس وبني حشيش.. وهي عبادة كانت مرتبطة بالقرابين الدموية وبعبادة الشمس وتكررت في بلاد النوبة والامازيغ.. كما هو الحال أيضا مع جبل في ضواحي صنعاء في طريق عمران, حيث تشهد بعض الكهوف للان في جبالها قرابين للتقرب من الجن.. وتلك الاماكن دائما تكون مقرونة بنحت ضخم لرأس كبش على الجبل نفسه التي تقام فيه تلك الشعائر.. حيث يكفي التركيز جيدا لرؤية تلك المجسمات التي لم تستطع التعرية محوها كليا (يمكن توفير صور تلك المنحوتات للقراء عند الطلب)..
لكن ظلت المعلومات عن عولمة تلك الطقوس ناقصة مع نهب تلك القبور, وانتهاء الطقوس الاحتفالية التي تذكر بما تعنيه تلك الاماكن ورموزها, و ضاعت تلك المعلومة عن ما تعنيه تلك القبور وتلك المجسمات على رؤوس الجبال وحوافيها والتي لم تكن في الواقع إلا واجهات لمعابد لعبادة الجن والكواكب.بعد ظهور الإسلام, قام سكان تلك المناطق بدفن تلك الموميات وضاعت معها الكثير من الاسرار عن فكرة الموت وقدسيتها لدى الانباط والتبابعة والامازيغ وساعد في ذلك تبرئ سكانها من أسماء ألهتها والمتألهين من الاجداد كملوك الفراعنة بإعتبارهم من الملعونين.
ومع توجه تلك الشعوب في القرن العشرين لدراسة تاريخهم, وقفت الانا المضخمة ضد الفهم الصحيح للتاريخ الجماعي, التي ساعدت في إدكائها الانظمة العسكرية.. (فهي كانت بحاجة لعدو مثله النظام السابق وإرث تاريخي لتقنع به شعوبها بسموهم وعظمتهم أمام باقي الشعوب, ومن تم السيطرة عليهم عاطفيا وتوجيههم في مسار واحد .. كما فعلت النازية في ألمانيا والعسكرية الاشتراكية في كل من مصر والعراق)..
وهكذا وجدنا أنفسنا في القرن الواحد العشرين أمام عدد من القوميات التي تصر على أنها اصل الفراعنة تاريخيا كالسودان وليبيا ومصر رغم أنني وجدت مجسم صغيرا لأبو الهول المصري في اليمن !! وكأن التاريخ والخضارة بدئ وأنتهى بالفراعنة!! وفي الواقع تلك الشعوب كانت تحمل تقسيم ديني واحد تحدده الجغرافية والنشاط الاقتصادي إن كان زراعي أو بحري.. والاحتفالية في تلك الطقوس كانت تحددها إمكانيات الدولة الاقتصادية وقوة سيطرة كهانها على الحياة السياسية في تلك البلدان وتنافس ملوك المتألهين في تخليد أمجادهم عبر قبور أكبر وطقوس جنائزية أكثر تعقيدا !!
فالمعلومات التي توفرت عن طقوس الموت لدى الحضارات اليمنية القديمة ومملكة الانباط, تتطابق بشكل ما مع طقوس الموت لدى شعوب الإينكا في البيرو والإكوادور وتشيلي التي إرتبطت بعبادة الشمس كما كان الحال مع حضارة التبابعة في اليمن وكما أن عبادة الشمس كانت مقرونة لدى الامازيغ وبلاد النوبة بعبادة الكبش (أمون الكبشي).
ولدى العرب هناك أسطورة تجسد البعث من خلال أسطورة العنقاء ذلك الطائر الخرافي الذي يموت حرقا وينبعث من ناره من جديد..
فكرة الخلود و تناسخ الارواح, أو تجسد الروح في جسد شخص آخر بعد الموت تعد كذلك من الأفكار الغنوصية (التي كانت الافعى رمزها) وهي ربة أشترك في عبادتها اليمنين والفراعنة والامازيغ وذكرت في الميثولوجية اليونانية بإسم ميدوسا عشيقة الاله زيوس, وبالتالي كانت الغنوصية ملهمة العديد من الجماعات بعد ظهور المسيحية والإسلام, كجماعة الاسماعلية والحشاشين وخصيان روسيا وغيرهم.. مما يأكد أن الديانات لا تندثر لأنها عقيدة وموروث جماعي مؤسس لذلك الفرد من خلال التنشئة, وإنما يمكن القول أنها تتطور إلى نسق أخر إن كان سماوي أو وثني جديد.وفي النسقين كانت حاظرة بقوة أسطورة البعث وملهمة لكل تطور أو تطرف في عقيدة أو طقوس تلك الديانات وإن أختلفت تفاصيلها من شعب لأخر ومن ديانة لأخرى.
المعتقدات السحرية -------------------------------
ظلت المعتقدات السحرية حتى مع ظهور الديانات السماوية موجودة بكل المفاهيم والمعتقدات الوثنية المرتبطة بعقلية ساكنة تلك المناطق والتي صارت جزءا منهم, وظل اعتقادهم بوجود قوى خفية تمنح القوة والمجد لمن يصل إلى التعامل معها راسخا ضمن الموروثات الثقافية لتك الشعوب وعاداتها.
فبالرجوع إلى قصة البقرة وقوم سيدنا موسى عليه السلام, ومن خلال السرد القرآني الذي يظهر تردد قومه في ذبح البقرة وذلك بسؤالهم كل مرة لتحديد أوصاف أكثر عن البقرة المطلوبة إلى أن نصل إلى قول الله تعالى (وذبحوها وما كادوا يفعلون), نجد أن القصة كانت توصيف لعقلية الناس في تلك الحقبة التاريخية.
فالمعروف أن آلهة الخصب كانت مرتبطة ببرج الثور وآلهة الخصب والنماء التي تمثل كوكب الزهرة أو ما يطلق عليها فينيس كما كانت البقرة مقدسة لدى أوزريس عند الفراعنة, فكان في تقديسهم للبقرة اعتقادا في وجود علاقة ما لها بأرزاقهم.. فكان أمر الله بذبح البقرة كنوع من الاختبار والتدريب النفسي لقوم موسى حتى يتخلصوا من تلك المعتقدات وذلك بإجبارهم على ذبح شيء شكل عندهم قداسة حتى يتخلصوا من خوفهم من اعتناقهم لمعرفة غير معرفتهم التي كانوا يؤمنون بها.
فبوجود الديانات السماوية أو عدمه, حافظ الكهنة على هيبتهم ووضعهم الاجتماعي كشخصيات تملك مفاتيح التعامل مع العالم الغيبي والقوى الخفية, وحافظ على ذلك الوضع إستحوادهم على حصرية علومهم بأيديهم دائما, حيث كانت السرية التي يضفونها على عالمهم تزيد من أهميتهم وخشية الكثير من الاحتكاك بهم أو إستعدائهم, وظل الدجل في تقديم الحقائق عن ماهية طقوسهم وعلومهم وسيلة فعالة دائما ليضمنوا مراكزهم كعلماء في الطب والكمياء والهندسة والكهانة والتنبئ بالمستقبل وعلوم السحر وتحرك الكواكب والنجوم, حيث كان الإستعداد النفسي والثقافي لتلك الشعوب عاملا مساعد في تقبل كل الدجل عن العالم الغيبي كحقائق مسلم بها.
وهكذا إستطاعت العديد من الجماعات إستتمار علوم الكهنة وأسالبيهم في إستدراج الاتباع والسيطرة عليهم, منطلقين من نبوءة عودة المسيح وظهور المهدي المنتظر طوال عشرين قرن مضت, بل وحتى إبتداع ديانات خاصة بها, تظهر من الخارج كديانة سماوية, ومن الداخل تكون جماعة بصدد ممارستها لطقوس ديانة وثنية تم إحياءها من جديد ترتكز على طقوس أسطورة البعث والخلود الوثنية.
كيف تقاربت نبوءة عودة المسيح مع أسطورة البعث؟---------------------------
الصابئة والمسيحية
ربما جزء من الاجابة سنجده في سيرة نشأة الصابئة والمسيحية وعلاقتها بالمجتمع اليهودي العادي الذي عاصر تلك المرحلة بكل أحداثه.. فاليهود كانوا ينتظرون ظهور المسيح بما بشر به سيدنا موسى في التوراة, فكان ظهور سيدنا عيسى (ع) متزامنا مع ظهور سيدنا يحيى (ع), فكانت هناك علاقة تلقي مختلطة بين شخصية النبي يحي والرسول عيسى عليهما السلام, من خلال معجزة الولادة والحياة والموت, ومحتوى الرسالة والمنهج.
ويظهر هذا الخلط في ما ذكر في إنجيل متى الاصحاح الرابع عشر 1-12 . من خلال خلط الملك هيرودس بين النبي يحي والرسول عيسى عليهما السلام, حيث يذكر الاصحاح.
((في ذلك الوقت سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه هذا يوحنا المعمدان قد قام من الاموات ولذلك تعمل به القوات, فإن هيرودس كان قد أمسك يوحنا وأوثقه وطرحه في السجن من أجل هيروديا إمرأة فيلبس أخيه, لأن يوحنا كان يقول له لايحل أن تكون لك ولما أراد يقتله خاف من الشعب لأنه كان عندهم مثل نبي ثم رقصت أبنة هيروديا في الوسط فسرت هيرودس من ثم وعد بقسم أنه مهما طلبت يعطيها, فهي إذ كانت قد لقنت من أمها قالت أعطني ههنا على طبق رأس يوحنا المعمدان, فإغتم الملك ولكن من أجل الاقسام معه أمر أن يعطي, فأرسل رأس يوحنا في السجن فأحضر رأسه على طبق ودفع إلى الصبية فجأت به إلى أمها فتقدم تلاميذه ورفعوا الجسد ودفنوه ثم أتوا وأخبروا يسوع)).
ويرد نفس المعنى في كل من إنجيل مرقص في الاصحاح السادس \ 14-29. وإنجيل لوقا الاصحاح الثالث \ 15-20.وهذا الخلط كان لدى أتباع سيدنا يحيى (ع) كذلك في إعتقادهم بأنه النبي المسيح ويظهر ذلك في الاصحاح الثالث من إنجيل يوحنا\22-29.
((وبعد هذا جاء يسوع وتلاميذه إلى الارض اليهودية ومكث معهم وكان يعمد, وكان يوحنا أيضا يعمد في عين نون بقرب ساليم, لأنه كان هناك مياه كثيرة وكانوا يأتون ويتعمدون, ولأنه لم يكن يوحنا قد ألقي في السجن وحدتث مباحثة من تلاميذ يوحنا مع يهود من جهة التطهير, فجأوا إلى يوحنا وقالوا له يامعلم هو ذا كان معك في عبر الاردن الذي أنت قد شهدت له, هو يعمد والجميع يأتون إليه أجاب يوحنا وقال لا لإنسان أن يأخد شيئا إن لم يكن قد أعطي من السماء, أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قد قلت لست أنا المسيح بل إني مرسل أمامه)).
وقد يفسر لما كان يخلط الناس في ذلك الزمن بين النبيين من خلال ما جاء في القرآن الكريم حول صفاتهما, ففي سورة مريم يقول الله تعالى
(يا يحي خد الكتاب بقوة وأتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان برا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا, وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)
وفي سيدنا عيسى (ع) قال الله عز وجل في سورة مريم (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ماكنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا, والسلام عليا يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا).
تقارب الطقوس لدى المسيحية والصابئة و الاثنى عشرية
تتشابه بشكل كبير تعاليم الصابئة بتعاليم المسيحية, كاشتراكهم في يوم الأحد كيوم مقدس وعدم تعدد الزوجات وحرمة الطلاق إلا لزنى أحد الزوجين وعدم الختان والتعميد بالماء. واعترافهم بالديانات السابقة وتفسيرهم لحياة بعد الموت والأبدية في الحياة الآخرة لمن يلتزم بتعاليم الديانة, وكذلك بلغة التلقي للرسالة والتي كانت الآرامية وإتخادهم للصليب المكسو بقميص أبيض رمزا مقدس, مما يأشر أن الرسالة سيدنا يحي وسيدنا عيسى عليهما السلام كانتا تحمل عقيدة وشريعة واحدة.
وقد إنبتقت عن جماعة الصابئة, جماعة خلطت ثقافتها الوثنية المحلية والموروثة مع الدين, كاعتقادها بالتقرب للملائكة والكواكب والنجوم باعتبارها جزء من منظومة كونية تفتح المجال لمعارف روحية أكبر, ورغم أنها مجرد هرطقة إلا أنها لم تكن الوحيدة, فكل الديانات شهدت هذا النوع من الجماعات المهرطقة إن كانت اليهودية أو المسيحية أو الإسلام..
والشيء اللافت أن بعض الجماعات الاثنى عشرية كأنصار المهدي تتلاقى معتقداتها مع المعتقد الصابئي والمسيحي كتقديسهم ليوم الاحد والرقم 13 وارتكازهم على طقوس التعميد بالماء خلال مرحلة التجنيد الأولي, ولبس البياض, و اتخاذ اللون الذهبي كرمز للرجل واللون الفضي كرمز للمرأة, وتجسيد الموت الدامي لرمزهم الديني بطريقة ملحمية, كحمل الصليب لدى المسيحيين وذكرى الحداد لسيدنا يحي (ع) لدى الصابئة, وإيذاء الجسد في ذكرى كربلاء لدى الاثنى عشرية وهذا لأن المعتقدات الثلاث تحتضن الطقوس الاحتفالية لديانة المثرا الوثنية التي كانت سائدة لزمن طويل في بلاد فارس وتبنتها بعض شعوب اليونان والامبراطورية الرومانية .
وقد كان ظهور جماعات كالغنوصية, شيء طبيعي لكون المنطقة التي احتضنت الصابئة والمسيحية, كانت قريبة ومحاطة بعدة حضارات وثقافات وديانات, ساعدت في انتقالها الطرق التجارية, وتعاقب سلطة الإمبراطوريات القوية على المنطقة.فكانت الغنوصية هي نتاج لإتحاد فكرتين عقائديتين ألا وهي بعث الأسطورة الإله لدى الوثنين, ونبوءة بعث المسيح لدى الديانات السماوية الأربعة.وكان ظهور المذهب الاثنى عشري نتاج لإتحاد الفكر الإسلامي بطقوس الميثرا (التي كانت ديانة رسمية لبلاد فارس وشبه القارة الاسيوية) بعد احتكاكها الطويل بالمذهب المسيحي الذي أستقى منها هو الأخر كل طقوسه الاحتفالية.
السبت في المعتقدات الوثنية--------
في الثقافة الدينية اليونانية مثلا رغم عدد الآلهة التي تنفرد كل منها بتخصص هناك زعيم لتلك الآلهة هو الإله زيوس.. الذي ارتبطت عبادته بيوم السبت وفي كل التماثيل التي أقيمت لزيوس كانت يرتدي الابيض وبجسد مذهب أو يتزين بحلي ذهبية, فمن خلال رجوعنا لملحمة هوميروس (الاليادة) نجد أنها في الواقع لم تكن مجرد ملحمة شعرية إنما كانت نقل تفصيلي عن نوع القناعات الفكرية التي كان يحملها اليونانيين وتأثيرها على سير حياتهم, فهي لم تكن بالنسبة لليونانيين في تلك الحقبة مجرد أساطير إنما كانت فهمهم وتفسيرهم أيضا لكل ظاهرة طبيعية أو كارثة بشرية.
وكانت طقوس التقرب للآلهة تسبق كل حرب لضمان النصر, فإن كان النصر فهو من رضي الآلهة وإن كانت خسارة فهي قوى لم تمتثل لأوامر زيوس. وقد خدم التطور الفكري الفلسفي والأدبي والفني لدى الحضارات القديمة عملية تأريخ شكل التفكير القديم الوثني, وإن كانت بالنسبة لنا مجرد فسيفساء مبعثرة يجب تجميعها بشكل مناسب, حتى وإن كانت تعطي في كل مرة شكلا مختلفا عن سابقه, إلا أنها تقربنا كل مرة من حقيقة التفكير الديني الوثني.
والجدير بالذكر بأن الفكر الديني اليوناني تأثر بشكل كبير بميثولوجيا حظارت الشرق والبحر الابيض المتوسط.. وبشكل أو بأخر نجد أن كل تلك الحضارات تشترك بأفكار ميثولوجية واحدة ضيع شكلها الحقيقي تغير أسماء تلك الاساطير بتغير اللغة ورغبة تلك الحضارات في التميز عبر تطوير معارفها أو إضافة وجهة نظرها الخاصة بها.
وبالرجوع لما ذكره القرآن الكريم عن الأوامر التي وجهت لليهود بالالتزام بقواعد دينية معينة يوم السبت وعدم العصيان, كانت في إعتقادي لإبعادهم عن أي فرصة للسقوط في الشعائر السابقة لقوم فرعون والتي إرتبطت طقوسها بالسحر ورموز لقوى خفية ظلت منتشرة في كل أرجاء الامبراطورية الفرعونية وشكلت جزءا مهما في ثقافة شعوبها.
ففي شمال إفريقيا تتبع هناك طقوس وثنية لأثباع الاضرحة, يختص بها خصوصا من يمارسون السحر من أتباع (ملك الجن أبيض المذهب) بيوم السبت, حيث يعتقدون أن هذه القوة السفلية لها سيطرة على كل العالم السفلي وينجح حسب زعمهم كل أنواع السحر المعتمدة على طقوسه في يوم السبت.
نفس الشيء نجده لدى أتباع الملاك الحارس أو ما يطلق عليها أيضا بأتباع الساحر إبراميل حيث يعتمد أتباعها فى ممارساتهم السحرية على يوم السبت, ويلمس تطابقا لطقوسها الخاصة ورموزها من لون اللباس والتجنيد بطرق الجماعات الاثنى عشرية والطرق الصوفية.ويعتبر يوم السبت مقدسا لدى جماعة الميثرا والجماعات الغنوصية, التي تعتبر النبع الام لكل الجمعيات السرية التي أرتبطت بالديانات السماوية الاربعة, حيث تمت المزج بشكل دقيق بين أساليب تنشئة الكهنة الوثنين وبين الدين السماوي الذي يعتنقه أتباع تلك الطوائف.
ومن بين تلك الجمعيات كانت جمعية الاسماعليين, جمعية الحشاشين, جمعية فرسان الهيكل, جمعية وردة الصليب, جمعية خصيان روسيا, جمعية كاريدونا, جمعية الفحامين, جمعية البنائين, وهذه الاخيرة أنبتقت عنها جمعية الماسونية في سنة 1901م. وغيرها من الجمعيات التي ظهرت في القرن العشرين من نسق تجمعات للمقاومة والتحرر, حيث تفرع عنها في مطلق الحالات جمعيات سرية مهرطقة حافظت على نشاطها في السر لاغراض تتجاوز تلك التي بني عليها التجمع الام.
الخميس في المعتقد الوثني----------------------
تعتبر عشتار والعزى أكثر ما عبد العرب والبابليين والانباط وبعض اليمانين الذين كانوا يسمونها (عزيان) أو (عنتر), و عبدها ملوك الحيرة.. حيث ورد في تواريخ السريان أن المنذر بن ماء السماء قد ضحى بأربعمة راهبة مسيحية للعزى وذكر إسحاق الانطاكي أن العرب كانوا يقدمون الاولاد والبنات قرابينا للعزى فينحرونهم لها .. العزى أو عشتار هي نفسها الام السوداء التي تعبدها جماعة دموية في الهند مند قرون.. وافروديت لدى الاغريق..
قد يستغرب البعض كيف يمكن لألهة الجمال كما صورها الاغريق أن تكون نفسها الام السوداء التي يصورها أتباعها بوجه بالازورد الازرق بخطوط صفراء, كما شهدها أتباعها ونفسها العزى الحبشية التي قتلها خالد بن الوليد.. لكن تبقى طقوسها التعبدية واختصاصتها الواحدة عبر العصور ما يؤكد انها معبودة واحدة مهما اختلف جنسيات أتباعها.. والتي يميزها اللون الازرق السماوي مع تقاطع لزهور أو خيوط صفراء في معابدها أو طقوسها السحرية, ويعتقد الكثير من السحرة أن قوى عشتار أو العزى تتجسد في الأحجار الكريمة الزرقاء وفي الادوات الزرقاء المستعملة في سحر ما.. ورمزها النجمة الثمانية التي تدل على نجم الزهرة رمز الخصب والانجاب والجمال والحرب..
ما ميز هذه الديانة عبر العصور هو ارتبطها بقرابين من دم في كل الازمان مع الغلو في عبادتها.. كما تتميز بالاتصال المباشر مع مريدها من خلال التجسد في سادن معبدها أو سماع صوتها.. وتأكيد أتباعها أنها تعز من يعبدها وتدمر من يحط من شأنها.. حيث تفانوا في إرضائها لدرجة تقديم أولادهم كقرابين بشرية إذا طلبت منهم ذلك..
فقد كان العرب يحلفون بالعزى أيضا و غالبا ما تكون معطوفة على اللات (ابنة العزى) فتراهم يقولون : "واللات والعزى". و قد قال الشاعر أبو جندب الهذلي بيتا في قصيدة يخاطب به امرأة كان يهواها يذكر المرأة بيمين حلفتها فقال :
لقد حَلَفْتِ جَهْداً يمينا غليظة بفرع التي أحمت فروع سقام
يعني العزى لأنه كان لها حرما محميا في شعب سقام.
و كانوا أيضا إذا أرادوا القيام بأمر و التبس عليهم أتجهوا إلى العزى ليستشيرونها في ذلك الأمر محملين بالهدايا إلى السادن و القرابين ثم يخبرونه بالأمر الذي جاؤوا من أجله فيدخل السادن و يسأل العزى ثم يعود السادن و يدخل الرجل معه أمامها فتجيبه بصوت يسمعه السائل. كما كان بعض العرب يتسمون بأسماء يتعبدون فيها للعزى كـ"ـأمة العزى" و "عبد العزىوقد أرتبط حرمها بشجرة أو نخلة أو أجمة شجيرات يقدسونها على أنها تمثلها وفي الغالب يتواجد بجنبها حفرة ترمى بها الهدايا
وفي المغرب حيث لازالت هذه العبادة تسمى بشعائر عائشة تقوم مقام الحفرة مرجة مياه أسنة ترمى بها الحليب وزيت الزيتون أو دم ديك..
وفي أيامها المقدسة ( أو ما يسمى الموسم), تساق إليها الذبائح من أكباش وعجول وتكون مرتبطة دائما بحرم ولي صالح " كانت نهاية العزة في جزيرة العرب في السنة الثامنة للهجرة في الخامس والعشرين من شهر رمضان عندما بعث النبي محمد خالد بن الوليد في ثلاثين فارسا من اصحابه ليهدم البص ويدمر العزى ويقضي على عبادتها وقد اختلف الرواة في سرد قصة الهدم على ثلاث :
بعث النبي خالد بن الوليد ليهدم بيت العزى ، فلما وصل إليها أخذ خالد فأسا و دخل البيت فلقيه سادنها دُبَيَّة بن حرمي السلمي فقال لخالد : "يا خالد! أنا أحذركها إن لها شدة لا يقوم إليها شيء". فلم يلتفت خالد إليه فمشى إليها بالفأس فهشم أنفها. فلما رأى السادن ذلك صاح يقول : "أَعُزّى اغضبي بعض غضباتك". فخرجت عليه امرأة حبشية عريانة مولولة، فقتلها خالد و أخذ ما في البيت من حلية، ثم أتى النبي فأخبره بذلك، فقال النبي : تلك العزى، و لا تعبد العزى أبداً"
بعث النبي (ص) خالد بن الوليد و قال له : "إيت بطن نخلة (اسم موضع) فإنك تجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى". فأتاها خالد فعضدها و جاء إلى النبي فسأله النبي قال : "هل رأيت شيئا ؟" قال : "لا" قال : "فاعضد الثانية". فأتاها خالد فعضدها و رجع إلى النبي فسأله : "هل رأيت شيئا ؟" قال خالد : "لا" قال : "فاعضد الثالثة" . فعاد خالد ليعضد الثالثة فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يدها على عاتقها تصرف بأنيابها (أي تصدر صوتا بأنيابها) و من خلفها دبيبة السلمي فلما نظر إلى خالد قال :أَعُزَّى شُدِّي شَدَّةً لا تُكَذّبي على خالد ألقي الخِمَار و شَمِّري فإنك إلا تقتلي اليوم خالدا تبوئي بذل عاجل و تَنَصَّريفقال خالد :يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانكثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة (رماد) ، ثم عضد الشجرة الثالثة و قتل دبية السادن و أتى النبي فأخبره فقال النبي : "تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب. أما انها لن تعبد بعد اليوم"
بعث سيدنا محمد (ص) خالد بن الوليد في ثلاثين فارسا إلى نخلة (اسم موضع)، و كانت بها العزى، فأتى الموضع فوجده على ثلاث سمرات، فقطع السمرات و هدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي فسأله و قال : "هدمت ؟" فقال خالد : "نعم يا رسول الله" فقال النبي : "هل رأيت شيئا ما ؟" قال : "لا" قال : "فإنك لم تصنع شيئا، فارجع إليها فاهدمها". فرجع خالد و هو متغيظ، فلما رآه السدنة أمعنوا (هربوا) في الجبل و هم يقولون : "يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، و إلا فموتي بِرُغْم". فأتاها خالد ، فإذا امرأة عريانة ، ناشرة شعرها ، تحثو التراب على رأسها، و السدنة يصيحون بها حتى أخذ خالد اقشعرار في ظهره، و صار دبية السادن يصيح و يقول :أَعُزَّى شُدِّي شَدَّةً لا تُكَذّبي على خالد ألقي الخِمَار و شَمِّري فإنك إلا تقتلي اليوم خالدا تبوئي بذل عاجل و تَنَصَّريفقال خالد :يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانكفجزلها بالسيف حتى قتلها و قطعها قطعتين، ثم رجع إلى النبي فأخبره فقال : "نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا".
ولقد تنبأ النبي محمد (ص) بأن تعود عبادة اللات والعزى ثانية فقد روي مسلم في صحيحة (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى فقلت يارسول الله ‘ن كنت لأظن حين أنزل الله (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (الثوبة) إن ذلك تاما قال إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيبى من لاخير فيه فيرجعون إلى دين أبائهم)
--------------------------------------------
(وسنتطرق بالتفصيل عن ألهة العرب وشعوب إفريقيا الشمالية في مقال منفرد لاحقا.. وأوجه تقاربها بينها..)---------------------
أما في جبال الاطلس فهناك مغارة يقول مريدوها أنها لشمهروش ملك الجن والذي يعتقد بعضهم أنه مات مند مئة سنة ويحل مكانه ابنه !! الذي يرتبط تقديسه باللون الازرف ويوم الخميس بعد صلاة العشاء -أي ليلة الجمعة- حيث يجتمع مريدوه مرتدين للكفن الابيض ومرددين القرأن بطريقة عكسية وهي نفس شعائر جماعة ذي قرنين والتي ظهرت في الاندلس وكانت ترتبط بعبادة القمر وبالسحر وتجمع مريدين من المسلمين واليهود والمسحيين في الاندلس.. حيث كانوا يجتمعون ليلة الخميس ويجرحون أنفسهم بخنجر يسمى الادهمي ويعني أحرف الدم حيث يقومون بجرح أنفسهم جرحا بسيطا ويرقصون في حلقة وأحيانا يقرأون أيات القرأن بشكل معكوس وينادون على الرجل الاسود طالبين مساعدته حيث يقسمون الولاء له بالروح والجسد وكانت تلك الجمعية تضم النساء والرجال من جميع الطبقات.. ويجتمعون في الليل عند تقاطع الطرق أما الكاهن فكان يحمل معه ديكا يقدمه قربانا عند بزوغ النهار و في الحلقة يضع كل منهم على راسه قرنين يمثلان المعزى والتي ترمز لشيء ما سنتركه شرحه في مقالة قادمة!!
ترسم دائرة في الوسط ويجلس فيها إثنى عشر مريدا يرددون تعويدتهم أو نداءهم على قرع الطبول والمزمار..
في الطريقة المنفلوطية يجتمع 29 فردا مسائ الخميس حول كوب ماء يتلوا كل واحد منهم جزءا إلى أن يتحرك الكوب من مكانه في إعتقادهم أن ذلك الكوب سيحمل ماء الشفاء للمريض..