‏إظهار الرسائل ذات التسميات شهادات وتحقيقات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شهادات وتحقيقات. إظهار كافة الرسائل

تحقيق لبي بي سي: مسلحو "جيش الرب" يقتلون 321 قرويا في شمال شرق الكونجو الديمقراطية

كشف تحقيق اجرته بي بي سي عن مذبحة راح ضحيتها أكثر من 321 شخصا في جمهورية الكونجو الديمقراطية.

جمهورية الكونجو الديمقراطية
قام المسلحون بقتل واختطاف أطفال من قرى
تقع في شمال شرق جمهورية الكونجو الديمقراطية

وأشار التحقيق إلى ان عملية القتل الجماعية وقعت في ديسمبر/ كانون الأول الماضي وأنه لم يكشف عنها من قبل.
ووقعت عمليات القتل عندما هاجم مقاتلو جماعة "جيش الرب للمقاومة" الأوغندية عددا من القرى تقع في شمال شرق الكونجو، وأن الهجوم اشتمل على قتل واختطاف للأطفال.
وتقول "هيومان رايتس ووتش" المدافعة عن حقوق الإنسان إن هذه الحادثة تمثل أحدى أسوأ "المذابح" التي نفذتها جماعة جيش الرب التي يجوب مقاتلوها عدة دول أفريقية بعد أن أنطلاقها من أوغندا.
ويقول زعيم جيش الرب أن جماعته تحارب لإقامة حكومة دينية في أوغندا تعتمد على الوصايا العشر الواردة في الانجيل، إلا أن الجماعة زرعت الرعب في السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى إلى جانب جمهورية الكونجو الديمقراطية.
ويقول مارتين بلاوت، محرر الشؤون الافريقية في بي بي سي أن التحقيق أشار إلى ان المسلحين قاموا بقتل القرويين كما قامو بارغامهم على حمل ممتلكات منهوبة لصالح المهاجمين.
ويقول جين كلاود سينجاباتايل، وهو شاب يبلغ من العمر 17 عاما وكان بين الاشخاص الذين تم اختطافهم، بأنه أرغم على مدى أيام على حمل أكياس من الملح.
وأضاف سينجاباتايل في حديث لبي بي سي "بينما كنا نتقدم، قاموا مقاتلو جيش الرب بقتل أشخاص، قام بقتل شخصين في أحدى القرى، ثم قلتوا ثلاثة اشخاص في القرية التالية، ثم قتلوا أربعة في القرى التي تلتها".
وأشار إلى أن المسلحين "أرادوا قتلي، إلا أن قائدهم قال أنه يجب أبقائي حيا، لأنهم يحتاجون مقاتلين أقوياء".
إلا انه قال ان احد المسلحين حذره من أنه سيقتل في وقت لاحق وأنه عليه محاولة الهرب.
وقال أن المسلح حذره نتيجة لكونه ينتمي لذات الأثنية العرقية التي ينتمي إليها.
وكانت الأمم المتحدة قد ذكرت أن انباء الهجوم انتشرت قبيل فترة أعياد الميلاد للعام الماضي ما دفعها في حينها إلى تعزيز وجود القوات الدولية في تلك المنطقة.
إلا أنها قامت بتعزيز تواجدها في مدن مثل نيانجارا وليس في القرى النائية التي شهدت أعمال القتل.
وتشير التحقيقات أن مسلحي "جيش الرب" عبروا نهرا محليا في الثالث عشر من ديسمبر/ كانون الأول الماضي ليصلوا إلى سوق قرية مابانجا يا تالو.
وكان المسلحون يرتدون زيا عسكريا حكوميا مدعين أنهم مجندون في الجيش الكونجولي امضوا أشهرا في الغابات وطلبوا من السكان المحليين أن يعطوهم الطعام وبعض المؤن الأخرى.
وتشير تحقيقات بي بي سي إلى أن المسلحين طلبوا من السكان المحليين حمل البضائع إلى الجانب الآخر من النهر، وهو ما رفضه سكان القرية، ليقوم المسلحون بعد ذلك بإطلاق الرصاص على القرويين.
 
bbc arabic

هل ستسقط دبي؟





قال المنتنبي

الخيل والليل والبيداء تعرفني .. والسيف والرمح والقرطاس والقلم..

وانا قلت على لسان محمد بن راشد حاكم دبي
الخيل والمجد والعليا تعرفني.. ونهظة ودبي هي اسمي وعنواني


لقد فضلت ان ابداء مقالي بذكر الخيل ..
فمحمد بن راشد مغرم بركوب الخيل لدرجة العشق..
محمد بن راشد يحب سباق الخيل ودائما يسابق ويحب ان يكون في المقدمه..

درس فنون الشخصية القياديه والتخطيط ورسم الاهداف,
كتبت هذه الشخصية اسم دبي باحرف من تقدم وازدهار ووصل بدبي لدرجة الانبهار..

امتطى محمد بن راشد قيادة دبي وصار يسابق بها المناطق التجارية العالميه..
فانطلق مسرع بدبي يسابق هونج كونج البريطانيه الصينيه وحقق الاسبقيه عليها ,فرفع يديه بخيلاء يكسوها نشوة النصر وغبطة السرور .
الا انه من اراد ان يكون في المقدمه كان لزاما عليه ان يستمر في حلبة السباق ويسرع بالعدو اكثر.
نظر امامه واذا باسنغافوره منطلقة بسرعه مذهله في خط التجارة العالميه والتبادل التجاري..
شد على لجام فرسة دبي وانطلق بكل قوتة وامكاناته المتاحة, اشتد السباق وازداد التحدي ,أستمر السباق واذا به يقترب من سنغافوره شيئا فشيئا ومع اصراره على ان يكون الاول في السباق فقد تجاوز سنغافوره, فاشرقت من فمة ابتسامة النصر والنجاح..


من ارد ان يكون الاول لابد ان يستمر في السباق ولا يترك القياده طرفه عين.

اشرقت دبي باسمة بكل بهائها ورونقها وتقدمها وازدهارها فقادت التبادل التجاري في الشرق الاوسط وافريقيا..
نجحت دبي في استقطاب الشركات العالميه لفتح فروع لها بدبي واصبحت دبي هي مركز التوزيع التجاري للشرق الاوسط وافريقيا..

اصبحت دبي هي ملتقى التجارة الاوروبيه والامريكيه من جهه والشرق الاقصى من جهة اخرى واخص بالذكر الصين..
بعد ان ابرم ذوات البشره البيضاء والعيون الزرقاء صفقاتهم التجاريه الناجحه كان لزاما عليهم ان يحتفلو بتلك المناسبه..
وكان لزاما على الاماره ان توفر لهم كأس وغانيه لكي يقيمو حفلاتهم..
فكان لهم ما أرادو خصوصا ان تجارة الاجساد البيظاء اصبحت رائجه نتيجه للانتعاش التجاري..
وهذا مما اعتبرته انا احد العوامل التي جعلت دبي تفقد شخصيتها الاسلاميه شيئا فشيئا..

دفعت دبي ثمن غالي للنهضة التجاريه التي وصلت اليها , أذ فقدت هويتها العربيه وقيمها الاسلاميه وما كان لها ان تفعل ذلك.
عند نزولي بمطار دبي والذي اعتدت ان ازورها في العام مرتين أبدا بفقدان كلامي العربي ويتم استبداله باللغة الانجليزيه ولو كان عندي بعض الكلمات الهنديه لكنت اكثر حظاء.
اذا تكلمت اللغه العربيه بدبي كانت الاجابه عليك انا مافيه يفهم عربي, من هذا المنطلق دفعت دبي اول فاتوره نجاحها التجاري بفقدان هويتها العربيه.

بعكس هونج كونج فعندما يصل الزائر الى هونج كونج يحاول يتكلم الانجليزيه اذا كان محظوظ فسيحصل على من يفهم الانجليزية..

مرة كانت في هونج كونج ونتيجة لان معظم السكان لايحبون ان يتكلمو الانجليزيه ( بالرغم انها كانت مستعمرة بريطانيه )!!!
فاضطرت الفنادق اعطاء النزيل عنوان الفندق مكتوب باللغه الصينيه كي يفهم سائق التاكسي العنوان كون الغالبيه العظمى لاتفهم الانجليزيه..
وبعد مرور 4 ايام على وصولي الى هناك نسيت كرت عنوان الفندق وخرجت ..
اخذت تاكسي وبدات اقول له بالانجليزيه اسم الفندق وعنوانه فلم يفهمنى البته الحل الوحيد امامه انه اتصل بشركته وجاب لي شخص يفهم الانجليزيه من اجل اقول له العنوان ويبلغ السائق.

وكذا سنغافوره متمتسكه بلغتها وشخصيتها الاسيوية الاصيله..

اما دبي فقد ضحت بهذا كله مقابل الرياده بالتجاره العالميه فيبدو ان هدفها كان المادة اولا واخيرا..

اصبحت دبي هي وعاء للتبادل التجاري العالمي (وعاء بين قوسين) وبنت بنيه تحتيه ظخمة جدا لدرجة اصبحت الحركة بمطار دبي اكبر من حركة مطار سنغافوره وهونج كونج وضاهى حركة باريس ولندن ونيويورك.

تفجرت شوارع دبي من زحمة المواصلات فسارع الامير لبناء احدث شبكة قطارات بالعالم ذاتيه الحركه..

اصبحت دبي تحمل اكبر سوق تجاري بالعالم..
اصبحت دبي تحمل اطول برج بالعالم..
اصبحت دبي تحمل اول فندق بالعالم تحت سطح الماء..
ستصبح دبي صاحبة لقب اكبر مطار في العالم بعد ان يتم انجاز مطار جبل على الذي توقف العمل به نتيجة للازمة الاقتصاديه
وهكذا توالت القاب الاولى على انجازات دبي..

فوصل العالم كله الى دبي ولم تصل دبي الى العالم كله.

كنت احلم ان تغزي دبي اسواق العالم كله بمنتجاتها بدلا من غزو منتجات العالم لدبي..
كنت اتمنى ان اسمع افضل منتج في العالم من دبي بدلا من اطول برج بالعالم..

فهاهو البرج شامخ في سماء دبي وسيتم افتتاحه في اواخر ديسمبر الحالي..
ولكن لسوء حظ البرج سيتم افتتاحه في وقت اعلنت دبي تاجيل سداد ديونها البالغه حوالي 80 مليار دولار..
اجتاحت الازمه العالميه العالم اجمع بعد مولدها في امريكا فصمدت دبي طوال 10 اشهر ولكن كيف لها ان تصمد والشركات العالميه قلصت انتاجها الى النصف, فكان من الطبيعي ان تتاثر دبي لانها وعاء لتلك المنتجات..
و يبدو ان الامير كان طموح اكثر من الازم حيث تجاوز طموحه حدود الطموح, واصبح الامير هو الذي الذي يقود الطموح..


هل ستسقط دبي ؟
هل فارسها سيقودها الى بر النجاه؟


والخلاصة اقول ان كان فارسها هو قائدها الحقيقى والمخطط الحقيقى لها فانا على ثقة انه سيقودها الى بر الامان مع بعض التضحيات..
ولكن الخشية ان اصحاب العيون الزرقاء هم من يقودونها وهم من قاد دبي الى ازمتها وهم من بايديهم انقاذها..

من المنقذ اذا؟
الامير محمد بن راشد؟
ام اصحاب العيون الزرقاء ؟

اذا كان الاحتمال الثاني هو المنقذ عندها سيتم زفاف دبي الى فارسها الجديد..

وان كان الاحتمال الاول هو المنقذ وهذه ما أتمناه فانصح الامير ان يصحح المسار ويرسم له اهداف جديده لكي تصل دبي الى العالم..

قال الامير في كتابه رؤيتي نحن لسنا اصحاب تجارب للفشل ولكن اكتسبناها من تجارب الاخرين..

واقول للامير جمله ذكرت ايظا في كتابة رؤيتي لكل جواد كبوة والفشل هو ان يضل من يسقط بالارض والناجح من يحلل اسباب السقوط ويستفيد من تجاربه ويمتطي جواده ويستمر بالسباق..
 
الاستاذ عبد السلام
منتديات بلقيس العربية

اليمن السعيد.. الخروج من النفق (5) شاعر الوحدة اليمنية : أغني ضد خطر التقسيم وأعيش على الكفاف



المدافعون عن الوحدة اليمنية يعلقون صور قتلاهم في الشوارع.. ويكتبون على الجدران «لا للإرهاب»

صنعاء: عبد الستار حتيتة


قتل أكبر أولاد الزبيري، وهو من قبيلة آل صريح، واسمه فوزي، قبل أسبوعين أثناء مشاركته، كجندي في فرقة «الفرقة» العسكرية، في جبال رازح الوعرة التي يختبئ فيها المتمردون الساعون لاستعادة حكم النظام «الإمامي الديني» الذي كان يحكم البلاد قبل ستينات القرن الماضي. ومثلما يضع الزبيري صورتي ابنه وصديق ابنه على زجاج سيارته التاكسي، تعكس صور «الشهداء» على سيارات تتهادى في شوارع المدن الوسطى كصنعاء والمدن المحيطة بها، ما يعانيه اليمن من مشاكل داخلية.. ويقول والد فوزي: «في الشارع أعيش الحزن مع من فقدوا أبناءهم في مواجهات عسكرية من أجل الوحدة اليمنية، وفي البيت أعيش حالة من الحزن، أنا وأولادي، على ابني.. كان معنا هنا في إجازة، وحين اشتدت المشكلة التي يثيرها المسلحون الحوثيون، عاد للجبهة في الشمال، وكان على اتصال بنا عبر الهاتف حتى وصوله إلى منطقة في جبال رازح يتخفى فيها المسلحون الذين يحاربون الدولة.. وعند تلك النقطة انقطعت أخباره، وتوقف هاتفه وهواتف زملائه عن الرنين.. وبعد ثلاثة أيام أبلغني قائد الفرقة العسكرية في صعدة أن ولدي تعبان في المستشفى، لكن كان قلبي يقول لي إنه استشهد».ولم تعلن الحكومة عدد القتلى في صفوف قوات الجيش أو القبائل التي تحارب معه من أجل الوحدة، لكن مصادر محلية خاصة تقدر العدد بعدة آلاف. وحين تلتقي بأحد هؤلاء المكلومين لا يشكو لك من صعوبة الحياة من دون ابنه أو شقيقه أو والده فقط، ولكن كذلك من صعوبة الحياة نفسها: مركزية الدولة، وقلة الدخل، والافتقار لتأمين صحي واجتماعي شامل، إضافة لانقطاع الكهرباء والمياه في بعض الأحيان.. وهي كلها مشاكل يعترف بها المسؤولون المحليون أيضا، ويضعون الخطط وهم يأملون في التوصل لحلول عاجلة رغم الظروف غير المواتية، من تراجع معدلات النمو وزيادة عدد السكان، والقلاقل في الجنوب والشمال. ومن المعروف أن وزراء الدولة طافوا في العديد من المحافظات مبشرين بالمرحلة المقبلة التي ستشهد تحسنا في أحوال اليمنيين، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وبخلاف الجنود والضباط الذين يكافحون من أجل الوحدة، هناك من بين زملائهم المتقاعدين عن العمل من يعتبرون أنفسهم «شهداء الوحدة»، بسبب إجبارهم على التقاعد وقطع الرواتب عنهم، ظنا من السلطات أنهم يمكن أن ينحازوا للانفصاليين الجنوبيين، أو المتمردين الحوثيين في الشمال، كما يقول العقيد حسين، وهو ضابط متقاعد كان في الجيش قبل الوحدة، إبان دولة اليمن الجنوبي. ويعيش حسين، وهو في العقد الخامس من العمر، في الوقت الحالي في منطقة باب اليمن بالعاصمة صنعاء. ويستبعد، بحكم خبرته، أي تهديد حقيقي «خارج السيطرة» لتنظيم القاعدة أو لموالين لإيران، أو غيرهم من المتمردين في الشمال.. «هناك مذاهب وتعاطف مع الخطاب المعادي لإسرائيل، نعم، لكن لا تصل إلى درجة الخطر.. الخطر الحقيقي يكمن في تدبير المواجهات بين مسلحين وبعضهم بعضا.. المشكلة، كما أراها، مشكلة قبلية، ومشكلة سلاح في أيدي القبائل، وسلاح في أيدي متشددين مذهبيين ودينيين، ومشكلة التراخي في تطبيق القانون على الجميع وبلا استثناء منذ بداية الوحدة، حتى الآن.. المشكلة هي أن الأخطاء استفحلت دون علاج مبكر».
ويؤكد العقيد حسين وقوفه مع الوحدة، لكنه ملَّ من طول البقاء من دون عمل، ومن قلة الراتب، وتأخره معظم الوقت، معتبرا نفسه، وهو في مثل هذه الحالة.. «من شهداء الوحدة أيضا»، إضافة لأقارب له قتلوا بالفعل في مواجهات مع انفصاليين في الجنوب خلال الأسابيع الأخيرة، من بينهم شاب في الثالثة والعشرين من عمره يخدم في منطقة الضالع، حين استهدفه مسلحون هناك. ويقول العقيد حسين: تحول أبناء لنا من لحم ودم، إلى مجرد صور معلقة على السيارات، وتحت كل منها عدة كلمات: شهيد الوحدة، وشهيد الواجب. ومثل هذه الكلمات والصور تجدها على العديد من الجدران والسيارات في صنعاء والمدن المحيطة بها، مثل سائق السيارة التاكسي الزبيري، الذي يضع صورة ابنه وصديقه، اللذين قتلا بداية يونيو (حزيران) من هذا العام، على السيارة، ويطوف بها كل يوم من مكان لآخر، حسب توجهات الزبائن، حين يسأله أحدهم عما إذا كان ابنه قتل في الجنوب أو في الشمال، يقول بعينيه الدامعتين، إنه «استشهد من أجل اليمن»، بغض النظر عن المكان. لكنه أوضح لـ«الشرق الأوسط»: «التحق ابني وصديقه، وعشرات غيرهم، بالقوات المسلحة قبل نحو خمس سنوات، وحين كان في رازح بشمال غربي صعدة، شمال البلاد، كان يشارك قبل أسبوعين في حصار بناية بالجبال التي يتحصن فيها متمردون حوثيون.. واستشهد هو وصديقه، ولا أعرف مصير باقي من كانوا معه.. في البداية قالوا لي إنه مريض، لكن بعد أن توجهت إلى المستشفى أبحث عنه، قالوا استشهد، وقلت الحمد لله كونه أدى واجبه.. واجب كبير والحمد لله».
ولدى الزبيري، مثل غالبية اليمنيين، أولاد كثيرون، يقول «لدي سبعة أولاد آخرون، وثلاث بنات، وهم جميعا في المراحل الدراسية المختلفة، وكان أكبرهم فوزي.. كان عمره 24 سنة، ولديه ولد وزوجته حامل.. و«منذ استشهاده، ونحن نلاحق حقوقه، ومعاشه.. لكن المشكلة هي أن أوراقه كلها في صعدة، وفي آخر مرة اتصلت بقائده هناك، قال لي إن شاء الله أجيب الأوراق معي لاستخراج معاش له، لكن ليس الآن، لأن الطرق من صعدة وإليها مقطوعة بسبب المتمردين الحوثيين».ومع أن مسؤولا في الحكومة اليمنية يقول لـ«الشرق الأوسط» إن المجند يحصل على راتب يكفي مصاريفه الشخصية، فإنه يتم أيضا صرف معاشات لكل «شهيد»، في أسرع وقت، حتى لا تكون هناك أية أعباء على أهالي «الشهداء». إلا أن ذوي بعض القتلى يروون قصصا عن تأخر وصول هذه المعاشات، خاصة بالنسبة لأولئك الذين لقي أبناؤهم حتفهم في الشمال الغربي.. ويتابع الزبيري قائلا: «المفروض أن يصرف لابني الشهيد معاش قيمته 25 ألف ريال يمني في الشهر (نحو 125 دولارا)، لكن هذا قد يتأخر، ومع ذلك سننتظر».وتبلغ المصاريف اليومية لأسرة الزبيري حوالي 7 آلاف ريال، ويقول إن دخله اليومي نحو 2500 ريال من العمل كـ«حداد»، وحوالي 1500 ريال من العمل الإضافي كسائق تاكسي في اليوم.. وبعد أن أخذ نفسا عميقا، قال: «المشاكل في الجنوب وفي الشمال لا تخيفني، أنا مستعد لها.. مستعد للتصدي لها بكل ما أملك، حتى لو كنت أشقى طوال النهار وراء لقمة الرزق».
وليس للزهيري «تأمين صحي» أو «تأمين اجتماعي»، ويقول «حين يصل سني للستين لن أتمكن من الحصول على معاش بعد بلوغ سن الشيخوخة. ومن وجهة نظره فإن «متمردي صعدة ليس لهم أي مطالب مفهومة، ولا أحد يعرف ما هي مطالبهم التي يقاتلون لأجلها.. الله يهديهم ويرشدهم لسواء السبيل، لأن الكثيرين من أصدقاء ابني، وجيرانه، يحاربون هناك، وأخشى ألا يعودوا». لكنه يستطرد ويقول: «في كل طريق داخل مدينة صنعاء ترى في نهايته جبلا وهذا يشبه الحلول المقترحة من جانب الحكومة والمعارضة (الانفصالية).. كل طريق لحل القضية من أجل نصرة وحدة اليمن، ترى في نهايته جبلا يسد الطريق.. لا نعرف ما الحل».الطالب في جامعة صنعاء، عبد الله (22 سنة)، الذي يدرس «الآثار»، هو أصلا من قبيلة «بعدان» من محافظة إب جنوب صنعاء بنحو 145 كلم، وتشهد هي الأخرى مشاكل مسلحة بين الحين والآخر بسبب مطالبة بعض المسلحين الجنوبيين بالانفصال، ولقبيلة عبد الله «شهداء» سقطوا دفاعا عن وحدة اليمن في الفترة الأخيرة.. يقول: «لدي أقارب في الجنوب وآخرون في الشمال، وأزور هؤلاء وهؤلاء بين حين وآخر، ولذلك لا أعرف كيف يمكن أن يفكر الشخص في الانفصال.. في صعدة طائفية، أعتقد أنه تم خداع الناس بعقائد ليست من صحيح الدين في شيء.. بينما الشيوخ هناك (زعماء التمرد) يقولون لهم إنهم حين يقتلون ستكون لهم الجنة.. ألا يعلمون أنهم يقتلون يمنيين ومسلمين مثلهم.. المشكلة تكمن في خطاب (الرئيس الإيراني) أحمدي نجاد و(أمين حزب الله) حسن نصر الله، بالقول الموت لأميركا وإسرائيل.ويكتب مواطنون بالألوان على جدران البيوت والمباني «لا للإرهاب»، محملين الانفصاليين والحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين، مسؤولية القلاقل التي «تهدد الوحدة اليمنية». وفي المنطقة التي شهدت اشتباكات مسلحة بين الجيش ومتمردين شمال صنعاء العام الماضي، تجد على طول الطريق إلى منطقة بني حُشيش العشرات من الكتابات العفوية التي ترفض العنف والاقتتال من جماعات سياسية ترتدي أثوابا دينية متشددة، أو مذهبية أو انفصالية. ويروي شهود عيان هناك أن متمردين على مشارف صعدة قاموا بإعدام «قروي بريء» بوابل من الرصاص في عرض الطريق، وقال سائق شاحنة بمنطقة آل سالم، ويدعى على عبد الله: «اختطف المتمردون ابن عمي علي عمران، وحققوا معه، وثبت لهم أنه لا علاقة له بمشاكلهم مع الحكومة، ومع ذلك استمروا في احتجازه وضربه لمدة تسعة أسابيع.. وبعد ذلك جاءتنا أخبار أن المتمردين سيُطلقون سراحه، وحين ذهبنا لاستقباله عند نقطة يتمركز فيها المتمردون قرب منطقتنا (آل سالم، بمحافظة صعدة)، وأثناء قدومه نحونا، قاموا بإطلاق الرصاص عليه من الخلف.. وقتلوه. محمد، محارب برتبة رقيب في الجيش اليمني، فقد رفاقه على جبهة المتمردين الشمالية.. «زيديون مثلي، لكنهم يحاربون ضد فصل أي قطعة من أراضي اليمن عن اليمن الموحد». ويعمل محمد خلال إجازته الحالية سائق تاكسي، بسبب هدوء الأوضاع في الشمال الأوسط من منطقة التوتر في صعدة، على حد قوله.. وأوضح هذا الرقيب الحاصل على بكالوريوس تجارة (ويتدرب مساء كل يوم على عزف العود، ويعد نفسه للعمل محاسبا بعد إنهاء فترة الخدمة العسكرية، المرتبطة بعودة الهدوء الشامل بمناطق المتمردين) أنه، ومن «استشهدوا» من رفاقه «مع الرئيس، لأنه هو الجالس على مقعد القيادة، وبغيابه لأي سبب، في الوقت الحالي، لا أحد يعرف من سيحط باليمن في مطار آمن». ويضيف محمد، وهو من قبيلة العزاني في محافظة تعز (جنوب)، إنها محافظته، هي محافظة المثقفين والفنانين في اليمن، ويضيف وهو يخفض من صوت دندنات العود وغناء مطرب تعز، أيوب طارش، المنبعث من تسجيل التاكسي: «في كل اليمن الحل يكمن في شيئين اثنين: العدالة والمساواة.. لا أحد يحب الانفصال، لكن هناك سلبيات لازم تعالج.. الإهمال في حل القضايا لمدة طويلة هو الذي جاب المشاكل».ويعتبر محمد ممن هجروا محافظة تعز، قادما لمحافظة صنعاء مع أسرته، في منتصف التسعينات، هربا من الاقتتال الذي يتفجر بين الحين والآخر منذ ذلك الوقت، وكذلك بسبب «الجفاف، وشح الأمطار، وغياب الخدمات، وعدم القدرة على إنهاء العديد من الإجراءات الرسمية، كتحصيل معاش أو صرف إعانة من الحكومة، أو توثيق أوراق ملكية، إلا بالذهاب إلى المكاتب الرسمية المختصة في العاصمة».الشاعر اليمني أحمد بامجبور، الذي تصفه الصحف الرسمية في اليمن، بأنه شاعر الوحدة اليمنية، بحسب وصف سابق له أطلقه عليه الأديب اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح، يتنقل من مكان إلى مكان في طول اليمن وعرضها من أجل إلقاء قصائد مع الوحدة اليمنية، وكأن به فزعا من الأصوات التي تطالب بالانفصال عن البلاد.. وهو من مدينة نصاب من محافظة شبوة جنوب البلاد، ويعتقد من يرى حفاوة الصحف الرسمية به أنه من أغنياء اليمن، لكن الواقع كان عكس ذلك، فهو يعيش على حد الكفاف، ولا يقدر على سداد نفقات علاج والدته إلا بالكاد، وليس لديه دخل يكفي المتطلبات اليومية والبسيطة للحياة.
ومن الأبيات الشهيرة لـ«بامجبور» التي يتخذها قطاع من اليمنيين مثالا على «التفاخر وعزة النفس، رغم سوء الحال»، تلك التي تقول: «ماشي مظلة واحترق وسط المقيل»، أي أنه يضع مظلة لتقيه من الشمس فوق رأسه، حتى يظن الناس أنه من علية القوم، لكنه يسير في الحقيقة حافي القدمين من شدة العوز والفقر على الطريق الساخن من الشمس. أي واحد عنده ظروف سيئة يقول «ماشي مظلة.. يعني ما فيش مؤونة (فلوس)»، على حد تعبير الشاعر بامجبور، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط»: «أتساءل دائما، هل يجب أن أقف ضد الوحدة، لكي يتم استرضائي وتكريمي من الدولة مثل آخرين، لكنني أعود، وأقول لا.. لن أتراجع، ولن أتلاعب بموهبتي الشعرية، وسأسخرها إلى النهاية من أجل الوحدة لا الانفصال، حتى لو كان المقابل هو مجرد إشارة في الصحف الرسمية إلى أنني شاعر الوحدة، هذا يكفيني». وبامجبور متزوج من حضرموت. ومن أجداده العلامة الشيخ عبد الرحمن أحمد بامجبور، الذي كان ناظر وإمام وخطيب جامع شبام الشهير، ومشغول بكل من قضية الوحدة، ووالدته المريضة آملا في شفاء الاثنين في أسرع وقت. ويضع كثير من أصحاب المحال التجارية وأصحاب الحرف والسُّوّاق، إضافة للمصالح الحكومية بطبيعة الحال، أعلام البلاد، وصورة رئيس الدولة علي عبد الله صالح، معلقين، هم أيضا، آمالا كبيرة على محاولاته إعادة الاستقرار لهذا البلد الذي كان مشطورا لنصفين حتى بداية تسعينات القرن الماضي. ويقول نائب رئيس الجمهورية عبد ربه منصور مخاطبا تجمعا محليا جنوب البلاد: اليمن كبير بإنجازاته ويجب أن نكون قادرين على استيعاب المتغيرات.. ما يعتمل هنا أو هناك سواء في الجنوب أو في صعدة لن يؤثر على مسيرة البناء والإعمار والاستثمار، لأن مثل هذه الأعمال لا تقدر على التأثير.. نظام الحكم المحلي سوف يعالج كافة الاختلالات وينهي المركزية وستكون الإدارة العملية والتخطيطية بيد السلطة المحلية. لكن.. ومثلما يقدمون أبناءهم «من أجل وحدة الوطن»، لا يخفي اليمنيون في المحافظات الوسطى التي تعتبر أكثر هدوءا واستقرارا من محافظات الجنوب والشمال، انتقاداتهم للحكومة، قائلين إنه «ينبغي عليها أن تسارع بإبعاد بعض الموجودين في السلطة ممن يتسببون في إشعال الحرائق والفتن بين قبائل وتيارات سياسية وعقائدية ودينية، منذ حرب الوحدة الأولى عام 1994، وحتى الآن». ومع زيادة التحديات التي تواجه وحدة الدولة اليمنية، بعد عودة النعرات الانفصالية في الجنوب والتمرد الحوثي في الشمال، أصبحت أسر الذين راحوا ضحية لتوحيد اليمن، أكثر تشددا تجاه كل من تلاعب أو ما زال يتلاعب بـ«مقدسات التراب الوطني الواحد». وشن تجمع لـ«أبناء شهداء الوحدة» انتقادات حادة لأصوات خرجت من جانب مسؤولين حكوميين، تنادي بالعفو أو تخفيف الأحكام الصادرة بحق انفصاليين ومتمردين، خوفا من أن «يعودوا إلى بث سموم الفتنة والفرقة والخيانة والارتزاق» من جديد، على حد تعبير بيان لأسر الشهداء اليمنيين.وتوعد أبناء «شهداء» محافظات جنوبية دعاة الانفصال الذين يريدون العودة بالبلاد إلى حالة التشطير التي كانت قبل عام 1990، بالاستمرار في الدفاع عن الوحدة. وقال بيان «لأبناء الشهداء» بمديرية تبن في محافظة لحج: «نعاهد الله والوطن والرئيس علي عبد الله صالح، بأننا سنكون في الصفوف الأولى للدفاع عن الوحدة ومكتسباتها من هؤلاء الأوباش وخفافيش الظلام الذين لا يعيشون إلا على رائحة الدماء، وسنكون الدرع الواقية والمنيعة لعزة وكرامة وطننا وشعبنا».وتبارى خطباء في ساحة ميدان الشهداء في مدينة تعز (جنوب)، بحضور محافظ تعز، حمود الصوفي، الأسبوع الماضي، مطالبين باتخاذ الإجراءات القانونية والعقابية بحق «المتاجرين بقضايا الوطن»، مشددين على أن «الوحدة تعني المجتمع اليمني بأكمله وهو قادر على الدفاع عنها وعن تاريخ نضاله.. الوحدة فرض وواجب ديني ووطني وقومي على كل مواطن ومواطنة».
ومن الجنوب أيضا أعلن شيخ مشايخ يافع العليا، فارس حسين آل هرهرة: «نحن مع اليمن الواحد ولم ولن نعود للتشطير والفرقة والفتن
من ملف جريدة الشرق الاوسط عن اليمن

اليمن السعيد.. الخروج من النفق (4): يمن بلا سلاح.. الحلم الصعب

محافظ صنعاء لـ«الشرق الأوسط» : المدينة قادرة على تخفيف «التعصب القبلي المقيت»

صنعاء: عبد الستار حتيتة

تعتبر الأسلحة في اليمن سببا أساسيا في وقوع أعمال القتل الجنائية والإرهابية. ومع تشدد الحكومة، الذي يقاومه تجار الأسلحة في البلاد، لم يعد من الممكن العثور على الأسلحة الثقيلة التي كانت تُعرض في الأسواق، لكن من الممكن شراء حاجتك من الصواريخ المضادة للطائرات، والمدفعية والقنابل الهجومية وصناديق ذخيرة المدفعية أيضا، من تجار السوق السوداء..
ويعتقد كثير من رجال الأمن في مناطق الشمال الذي يعاني من التمرد الحوثي، ومناطق الجنوب التي تقع فيها أعمال مسلحة، أن تجار سلاح من الكبار والصغار، وراء النفخ في نار الاقتتال، ليس المذهبي والسياسي فقط، بل كذلك الاقتتال على الأراضي والثأر، حيث القتل والقتل المضاد، ومزيد من الأسلحة والطلقات، ومزيد من المكاسب للتجار.
ومع ذلك يأمل محافظ العاصمة صنعاء، نعمان دويد، في أن تؤدي الإجراءات التي تتخذها الحكومة والمنظمات الأهلية وغيرها من الجهات، في الحد من ظاهرة تسلح اليمنيين والاقتتال القبائلي العصبي السيئ، على حد تعبيره، وهو يؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن محال بيع وشراء السلاح لم تعد عشوائية، وإنما أصبح الذي يعمل فيها، يعمل وفق ترخيص محددة به القطع التي يتاجر فيها، تحت سيطرة الدولة.. «والدولة هنا تفرض سيطرتها وتبسط سلطانها، وهي قادرة في أي لحظة على إغلاق أي محل أو تاجر يخالف حدود الترخيص الممنوح له».
يعطي القانون المنظم لحمل الأسلحة النارية والذخائر والاتجار بها، الصادر عام 1992 الحق لليمنيين في حيازة البنادق والبنادق الآلية والمسدسات وبنادق الصيد والذخيرة اللازمة، لاستعمالهم الشخصي. لكن المشكلة التي تتحدث عنها المنظمات الأهلية، تتعلق باستمرار اقتناء الأسلحة في القرى والتجمعات السكانية الأخرى التي لم يرد بها نص في القانون. وأصدرت الحكومة هذا القرار الصعب العام قبل الماضي، وقامت أيضا بتنفيذ حملات واسعة للحد من انتشار السلاح، بالتعاون مع جمعيات حقوقية ومثقفين في البلاد، وسط مقاومة غير مرئية من كبار التجار الذين يعتقد البعض في اليمن أنهم على علاقة بمشرعين في البرلمان ومتنفذين في بعض الإدارات الحكومية أيضا. واستعانت طوال عدة أعوام الحكومة، بشكل غير مباشر، بالعديد من الجمعيات الحقوقية ووجهاء المجتمع، للتعاون معها من أجل التخلي عن العادة المميتة الخاصة باستخدام الأسلحة في النزاعات والخلافات بين الأفراد، والجماعات السياسية. ولهذا كان العمل في اليمن يجري على عدة مسارات، منها إغلاق أسواق السلاح، والمحال التي اعتادت العمل لسنوات طويلة في بيع مختلف أنواع الأسلحة الصغيرة والمتوسطة، وأحيانا الثقيلة، بلا ضابط ولا رابط، ولا أي رقابة من أي نوع.. والمسار الثاني، وفقا لما أفاد به مسؤول في وزارة الداخلية اليمنية، كان في توعية المجتمع بمخاطر الاستمرار في عادة الثأر المقيتة، وحث الناس على إبلاغ الشرطة لاتخاذ الإجراءات القانونية حيال من يعتدي عليهم، ونشر دعاية واسعة في عموم البلاد، تبين خطر اقتناء السلاح على الصغار وعلى الجيل اليمني القادم.. يوجد الآلاف من الأطفال الذين بترت أيديهم أو أرجلهم بسبب الاقتتال باستخدام الأسلحة النارية، ناهيك عمن لاقوا حتفهم، أو أصبحوا يتامى وثكالى. ولم يعد من الممكن دخول المدن اليمنية لليمنيين الذين يحملون سلاحا غير مرخص.. ويقول هذا المسؤول الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» إن هذا يعتبر إنجازا في حد ذاته، لأن كثيرا من شيوخ القبائل كانوا يتعجبون من مثل هذا القرار.. لكن الكل أصبح يتفهم هذا القرار، ونجاعته في حفظ الأمن في المدن، التي كانت الاشتباكات المسلحة توقع فيها العديد من الأبرياء الذين يتصادف مرورهم بمنطقة إطلاق نار.
ومن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة أيضا ويجري تطبيقها، زيادة الضرائب على تجارة السلاح، للحد منها، وزيادة أسعارها، بحيث لا تكون في متناول كل الناس، وتنفيذ برنامج آخر لشراء الأسلحة التي يقتنيها المواطنون، وهو ما أغضب نوابا في التيارات شديدة التحفظ من جماعة الإخوان المسلمين وبعض القبائل، وعدد من كبار الموظفين القريبين من معسكرات الجيش والداخلية التي عادة ما تتعرض للنهب، بحسب المصدر نفسه المسؤول في وزارة الداخلية.
ويقول محافظ صنعاء، وهو يتنفس الصعداء: «الآن، داخل مدينة صنعاء، لا يوجد سوق للسلاح.. في السابق كان يوجد سوق للسلاح هنا، لكن اليوم لم تعد توجد أسواق عشوائية لبيع السلاح، بل توجد عملية مشروعة ومراقبة من الدولة».ولا يخفي أحد تجار السلاح، في منطقة شمال صنعاء، ويدعى «خالد» من قبيلة خولان، أنه منذ تم إغلاق محال الاتجار في الأسلحة، منتصف العام قبل الماضي، وهو يخسر خسائر فادحة.. «لا أحد يقبل على شراء سلاح، ويترك اسمه وعنوانه ونوع ما اشتراه.. نحن نتعامل أحيانا مع مشترين لا يريدون أن يفصحوا عن تفاصيل هويتهم.. كما أن المسموح بالعمل فيه، من أسلحة صيد، والبندقية الكلاشنكوف، لا تحقق أرباحا، خاصة مع فرض الدولة لضرائب على المبيعات، وطلبها فواتير عن كل قطعة سلاح مباعة».ويعمل هذا التاجر بشكل غير قانوني، وهو معروف للمتمردين الذين يقاتلون ضد الحكومة اليمنية منذ عام 2004، في شمال غربي البلاد، ويستعين بالمساحات المتدرجة على الجبال والمزروعة بأشجار العنب والقات، في إخفاء ما يبيعه وما يشتريه من أسلحة يمكن أن تحقق له أرباحا، من مختلف الأنواع.
وكان هذا الرجل يدير محلا كبيرا في سوق السلاح القديم المعروف باسم حجانة في مركز التمرد بمحافظة صعدة، إلا أن ظروف الاقتتال الدائر مع الحكومة هناك فرضت عليه التنقل من مكان إلى آخر، وممارسة عمله بعيدا عن أي رقابة.. « (المتمردون) الحوثيون يطلبون السلاح، وتجار من جنوب صنعاء يبيعونه لكن الإجراءات الحكومية رفعت الأسعار، لأنها أصبحت هي أيضا تشتري السلاح من الناس، وتخزنه عندها.. وتفتيش السيارات على الطرقات، وتدفع أموالا لمن يرشد عن تاجر سلاح غير مرخص مثلي.. الترخيص نفسه يحتاج لسداد أموال باهظة لا أقدر عليها».
وكان هناك في اليمن 18 سوقا رئيسية للسلاح منتشرة في النصف الشمالي من اليمن، إضافة إلى أكثر من 500 محل صغير يبيع الأسلحة بالتجزئة، وتعرضت اليمن لضغوط من الدول المجاورة لها، ومن دول غربية أيضا، وكذا منظمات حقوقية، للتخلص من البيع العشوائي للسلاح، وتقليل فرص امتلاك اليمنيين للأسلحة، في محاولة للحد من تهريب السلاح من اليمن عبر الحدود، وكذلك للحد من جرائم الإرهاب والقتل، إذ تصنف اليمن كثاني أكبر دولة يملك فيها المواطنون سلاحا بعد الولايات المتحدة الأميركية.وقال التاجر إنه لا علاقة له بما يتردد عن تهريب السلاح من اليمن وبيعه بأسعار مضاعفة في الصومال التي تشهد حالة من عدم الاستقرار والاقتتال الداخلي منذ بداية التسعينيات، قائلا إن المحظوظين الذين يبيعون السلاح للصوماليين، غالبيتهم من منطقة الجنوب، بعضهم يقيم في خارج البلاد، ويدير أعماله عن طريق وسطاء وكلاء في عدن وغيرها، مشيرا إلى أن مثل هؤلاء التجار استولوا على كميات كبيرة من الأسلحة من مخازن دولة اليمن الجنوبية عند ضمها لليمن الموحد عام 1990، وعند محاولة قادتها السابقين الرجوع للانفصال عام 1994. وهو يعتقد أن من بين الذين يقفون وراء المطالبة مجددا بالانفصال، تجار سلاح كبار أصبحوا يتضررون من إجراءات السلطة المركزية في صنعاء بسط سلطان الدولة، وتطبيق قرار حظر الاتجار في السلاح على الجميع.وأدى إغلاق محال الأسلحة إلى رفع الأسعار إلى الضعف، وفي بعض الأنواع إلى الضعفين، قطعة الكلاشنكوف الروسي والعوزي الإسرائيلي تباع بأسعار متقاربة، وبعد أن كانت لا تزيد على 35 ألف ريال، وصلت إلى نحو 100 ألف ريال يمني في المتوسط (نحو 500 دولار)، بعد أن كانت قيمة الكلاشنكوف تساوي ثلاثة من العوزي. كما ارتفعت أسعار طلقات الرصاص إلى ثلاثة أضعاف أيضا، خاصة بعد أن ترددت أنباء عن أن المتمردين الحوثيين يعدون لشن حرب جديدة على القوات الحكومية في مناطق صعدة وراح وعمران شمال غربي صنعاء. ومن الأسلحة التي تباع سرا بأسعار مرتفعة، بخلاف الأسلحة العادية كالكلاشنكوف والمسدسات، هناك أنواع من الأسلحة الفتاكة، تبدأ بالقنابل اليدوية والألغام، والمتفجرات، وتنتهي بمدافع تسير على عجلتين، لاستهداف الطيران المنخفض، وكذلك أنواع من أسلحة البازوكا، والقذائف الخارقة للدروع، والصواريخ التي يرجع عمر بعضها لفترة السبعينيات، والعائدة لأنواع من الأسلحة السوفياتية التي كانت الدولة الجنوبية تتسلح بها، قبل نهب بعضها من مخازن الجيش في أوائل التسعينيات. وتقدر دراسة للمعهد الدولي لدراسة الأسلحة أن حجم الأسلحة في اليمن يبلغ نحو 9 ملايين قطعة في حوزة الدولة والقبائل والأفراد والأسواق، غالبيتها من الأسلحة الصغيرة، ومصدرها دول الكتل الشرقية السابقة أو الصين مع وجود عدد قليل من دول أخرى يرجع تاريخ بعضها إلى بدايات القرن 19. وكانت 70% من ميزانيتي دولتي اليمن الجنوبي واليمن الشمالي، قبل الوحدة عام 1990، تذهبان إلى التسليح، تحسبا من كل منهما تجاه الشطر الآخر، على حد تعبير عبد ربه منصور، نائب رئيس الجمهورية، الذي كان يدعو المواطنين في محافظة أبين الجنوبية للعمل من أجل مستقبل لأن «عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء». وطوال قرابة عامين اشترت الحكومة أسلحة من المواطنين بمبالغ تصل قيمتها إلى نحو 35 مليون دولار، من إجمالي المبالغ المخصصة لهذا الغرض، والتي تبلغ حوالي 50 مليون دولار، كما قامت بحصر وتوثيق ما هو موجود في مخازن القوات المسلحة وجهات الأمن، إضافة لاستحداث أجهزة جديدة لتشديد الرقابة على الحدود، وتعول الحكومة على «لجنة وطنية تختص بمكافحة انتشار الأسلحة»، بحيث تحظى بتعاون دولي لهذا الغرض.
ويعتبر المسؤولون السلاح في اليمن مسؤولا عن جانب كبير من جرائم الثأر وخطف الأجانب والتمرد ودعاوى الانفصال. وبخلاف الاقتتال في الشمال وإطلاق النار بين الحين والآخر ضد القوات الأمنية في الجنوب، كان السلاح مسؤولا عن حوالي 80% من الجرائم الأخرى التي سقط فيها أكثر من 614 قتيلا وما يزيد على 2725 مصابا، بحسب تقارير وزارة الداخلية في النصف الأول من هذه السنة، لكن تقارير أخرى تقول إن العدد كان قد وصل إلى حد لا يمكن السكوت عليه خاصة في السنوات 2004 و2005 و2006، حين سقط نحو 4800 قتيل، 23 ألف مصاب في ما يزيد على ثلاثة آلاف جريمة.ومثلما رفع الكاتب اليمني، الدكتور عبد الرحمن الشامي شعار «يمن بلا سلاح ولا قات»، نظمت العديد من الجمعيات الأهلية والحقوقية تظاهرات أمام مبنى البرلمان والحكومة، منددة بمظاهر التسلح بين المواطنين في البلاد، مطالبة بمزيد من الإجراءات لوقف نزيف الدم بسبب السلاح، قائلين بأصواتهم، وعلى لافتات منصوبة على جوانب الطرقات «نريد يمن بلا سلاح وبلا ثأر»، منها جمعية «دار السلام»، و«سياج»، و«أمان» التي قال رئيسها خالد الإرياني إن «الجهود المبذولة للقضاء على ظاهرة الثأر لن تكون ذات جدوى ما دام السلاح بمتناول الصغير والكبير».
ولـ«الشامي» رأي يقول فيه إن الإنسان اليمني.. «إذا كان قد امتلك السلاح فيما مضى نظرا لظروف اجتماعية وبيئية، غاب فيها عنه تحقق الأمن والأمان، ومن ثم فقد عمد كثير من أفراد مجتمعنا اليمني إلى سكنى قمم الجبال، والأماكن الوعرة من الطبيعة بحثا عن الأمن المدعوم بسلاحه الشخصي عند الاضطرار، فإن هذه الظروف قد زالت اليوم، بعد أن عمَّت البلاد حالة من الأمن والأمان»، مشيرا إلى انتشار النقاط الأمنية وسيارات شرطة النجدة في كل مكان.. «فلم يعد المسوغ الأمني لامتلاك السلاح قائما إلى حد كبير».ويعتقد الكثير من الناشطين السياسيين والحقوقيين وأصحاب الرأي في اليمن أن بناء دولة مدنية حديثة قادرة على بسط القانون على الجميع، سيكون في مقدروها الحد من الاتجار في السلاح دون رقابة، وكذلك الحد من التشدد القبلي الذي يعتبر امتلاك السلاح وأخذ الثأر جزءا لا يتجزأ من شخصية الرجل اليمني. أستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز، الدكتور عبد السلام الدار، شارك بورقة في ندوة من الندوات الخاصة بمشكلة الأسلحة التي عقدت خلال شهر يونيو (حزيران)، استنتج فيها أن نسبة حيازة الأفراد للسلاح في منازل الريف والحضر تبلغ 60.8% وأن إجمالي ما بحوزة اليمنيين من سلاح يقدر بـ9.98 مليون قطعة سلاح، مستبعدا التقديرات السابقة التي كانت تذهب إلى أن عدد قطع السلاح في اليمن تتراوح بين خمسين مليون قطعة كحد أقصى، وسبعة ملايين قطعة كحد أدنى، وأشار إلى أن 60.5% من سكان الريف و44.7% من سكان الحضر قالوا إنهم يحوزون السلاح بغرض الدفاع عن النفس، وأن نسبة انتشار الأسلحة بين السكان الريف تصل إلى 66.6% وفي الحضر 56.1%، وقال فيما يتعلق بالعوامل التي ساهمت في انتشار الأسلحة، إنه تبين أن 86.1% يرجع للعادات والتقاليد و82% لعدم وجود حلول لإنهاء ظاهرة الثأر 81.8% يرجع لضعف القضاء، و78.9% لهيمنة القبيلة، و71% يرجع للرغبة في التباهي.
وأضاف الباحث أن الورقة التي أعدها حول قضية الأسلحة، بيَّنت أن 90.5 أعربوا عن اعتقادهم في أن الحملات المناهضة لمظاهر التسلح، سواء كانت رسمية أو غير رسمية يمكن أن تحد من انتشار السلاح.وفي ورشة العمل التي عقدها مركز سبأ في أحد الفنادق الكبرى بصنعاء هذا الشهر، قال المدير التنفيذي للمركز، الدكتور أحمد المصعبي، أن قدرة الحكومة على القضاء على ظاهرة التسلح بدت محدودة بسبب الاعتقاد الساري لدى بعض القبائل التي تعتبر اقتناء السلاح جزء من شخصيتها.
ويقول الناشط الحقوقي المعروف في اليمن والذي خاض قضايا لصالح ضحايا التسلح القبلي، أحمد القرشي، لـ«الشرق الأوسط»: «من يتزوج من اليمنيين يصبح غرَّاما، أي تقع عليه مسؤولية الأخذ بثأر القبيلة التي ينتمي إليها.. وبالتالي يكون عليه أن يحمل سلاحا، فإذا لم يكن هذا السلاح موجودا يشتريه، لكي يصبح شخصا كامل الأهلية في القبيلة.. أي يكون شخصا قادرا على سداد الغرامات التي تقع على القبيلة؛ فإذا دخلَت في قتال يحمل سلاحه ويحارب مع قبيلته.. نحن نسمي حروب الثارات هذه باسم المعارك الصامتة الناتجة عن انتشار السلاح في أيدي الجميع.. بعض القبائل تمتلك أسلحة متطورة؛ مثل المدفعية، والصواريخ المحمولة على الكتف، وصواريخ الكاتيوشا».
ويفتخر كمال، وهو من قبيلة خولان أيضا بشمال صنعاء، بقرابته لتاجر السلاح «خالد». ويضع كمال جنبية (خنجر يمني) في خصره، وهو يقود سيارته الخاصة، عائدين من محافظة عمران، ويقول إن اليمني الذي لا يحمل سلاحا، لا يمكن أن يكون رجلا مكتمل الرجولة. ويعتبر كمال نفسه من السادة، أي.. «المحاربون من طبقة الحكام والأمراء الذين كانوا يحكمون اليمن فيما مضى». ويضيف أن الذي لا يحمل سلاحا ننظر إليه على أنه من فئات «الرعوي (أي التاجر المتجول)، أو من المزيني (أي ضاربو الطاسة ومغنو المناسبات الدينية والاجتماعية)، أو مجرد دوجان (أي الفقير شديد الفقر من المزارعين بالأجر في القرى)». ويعول كثيرون على قرار حظر دخول السلاح للمدن، وأنه، بعد نحو عامين من تطبيقه، أصبح يؤتي ثماره آملين في خروج اليمن من «نفق التشدد القبلية المظلم»، والدخول في عصر الاعتماد على مؤسسات الدولة في التقاضي بين الناس، والتخلص بلا رجعة من «التعصب القبلي المقيت»، على حد تعبير محافظ صنعاء الذي يعود ليؤكد أن دور المدن هو محاولة «تحضير مثل هذا التعصب السيئ».يقول «دويد» إن «مدينة صنعاء أصلا هي قبلية.. ودور المدينة هو أنها تحاول تحضير التعصب القبلي السيئ.. أن توجد الأمن، وأن توجد مؤسسات الدولة فيها، حتى تزيل التعصبية القبلية».ويضيف المحافظ الذي تنحدر أصوله من قبيلة يمنية عريقة، أن لا أحد يعمل ضد القبائل، ولكن ضد بعض مما يسيئها.. «أما وجود القبيلة، فالعرب كلهم قبائل، ومن لا ينتمي لقبيلة ليس بعربي.. القبيلة لا تعيب، لأن الله خلقنا قبائل وشعوبا، لكن الذي يعيب القبيلة هو التصرفات السيئة التي ألصقت بها، ألا وهو التعصب القبلي المقيت، ومنه ظاهرة الثأر، والاقتتال القبلي السيئ.. القضاء على كل هذا لا يكون إلا بوجود مؤسسات الدولة، النيابة وقسم الشرطة والمحكمة؛ هذه تنهي قضية الثأر، وكذا بالتزامن مع تنمية القبيلة، مثل التوسع في تقديم الخدمات كالتعليم والصحة، وغيرهما.. حين تتوفر هذه الخدمات تبدأ العصبية القبلية في الذوبان».ومع أن أسماء العديد من المديريات يسمى بأسماء قبائل، وهو ما يتخوف البعض من أن يتسبب في استمرار المشاكل بين القبائل، إلا إن المحافظ يوضح قائلا: «هذا أمر طبيعي.. لدينا تقسيمات إدارية لكل محافظة عبارة مديريات، والاسم الأول لكل مديرية هو اسم إداري، لكن الاسم الثاني ستجده اسم قبيلة من القبائل، مثل مديرية سنحان أو مديرية خولان». ويستطرد المحافظ بقوله: أريد أن أؤكد أن المدينة لا تلغي شخصية القبيلة، وينبغي أن يكون السؤال هو: هل ترى أن التعصب بدأ يتراجع أم ما زال كما هو أم أنه آخذ في التزايد، مقارنة بالمرحلة الماضية.. أؤكد أنه بدأ يتراجع.. لكن أصبح لدينا تعصب من نوع آخر، هو التعصب الحزبي في العمل السياسي، والذي أعتقد أنه تأثر بالتعصب القبلي.. لكن على أية حال، الآن أصبح أبناء القبيلة الواحدة ينتمون لعدة أحزاب، سواء أحزاب المعارضة أو أحزاب في السلطة، وحين تأتي الانتخابات ترى أبناء القبيلة الواحدة كل يذهب وراء حزبه.. لا قبيلته.. الحياة الحزبية أخذت من العصبية القبلية، تلاحظ أن الحزبية أخذت مكانها بشكل كبير.. بينما نحن نريد الاعتدال».
من ملف جريدة الشرق الاوسط عن اليمن

اليمن السعيد.. الخروج من النفق (3): على قمم جبال اليمن..



أولاد بلا آباء ورجال بلا أسر.. وعجائز بلا أحفادهاربون من العنف القبلي والنزاعات المسلحة يروون حكاياتهم لـ «الشرق الأوسط»

صنعاء: عبد الستار حتيتة

عادة ما يكون أبرز ضحايا العنف والقتال الداخلي في أي بلد هم المواطنين المدنيين الأبرياء، وليس المسلحين الذين لديهم أجندات. وعلى رأس الفئات الأكثر تضررا بالعنف النساء والأطفال. وفي اليمن أصبحت هناك ظاهرة المشردين والنازحين من أعمال العنف التي تنشب لأسباب كثيرة من بينها النزاعات والثارات القبلية بين قبائل مسلحة، والتمرد الحوثي في صعدة الذي أدى إلى نزوح وتشرد الآلاف هربا من أعمال العنف والقتال.

وسط ذلك هناك قصص إنسانية كثيرة تروي معاناة هؤلاء، وكيف تؤثر النزاعات المحلية وأعمال العنف على العائلات وتفرق الآباء والأمهات عن الأطفال. وفي حلقة اليوم من سلسلة التحقيقات الميدانية التي تنشرها «الشرق الأوسط» من اليمن حكايات الهاربين من العنف القبلي والنزاع المسلح.رفع الطفل البالغ من العمر عشر سنوات أنفه أعلى قمة الجبل جنوب العاصمة اليمنية صنعاء، وقال اسمه واسم مدينته البعيدة، في شموخ: «زياد جبهان، من مديرية آنس بيت جبهان، من محافظة ذمار». ويعيش هذا الطفل بصحبة أشقائه الثلاثة ووالدته، مع عجائز بلا أحفاد، ورجال بلا أولاد وأطفال هاربين جميعهم مثله من العنف القبلي والمذهبي، فوق قمة هذا الجبل الذي يبعد عن مديرية آنس بنحو 70 كيلو مترا. وتقول جارته على قمة الجيل المهجور، وهي عجوز تدعى حاكمة، من منطقة خولان شمال شرقي العاصمة، إنها فرت مع أحفادها هربا من الاقتتال القبلي، وفر معها الكثير من العجائز بأحفادهن، حيث يعيش الجميع هنا «حياة بلا حياة». وتبذل الحكومة ومنظمات حقوقية محاولات لتوفير الحماية لهؤلاء الناس، والقضاء على مسببات العنف، بداية من حظر الدخول بالسلاح في المدن، إلى معالجة عادات الثأر وتقاليد الاقتتال، لكن الأمر يبدو أكثر تعقيدا من مجرد نداءات، لأن المواطنين اليمنيين لديهم، في أحدث تقدير من جامعة تعز، نحو عشرة ملايين قطعة سلاح، ولا يبدو أنهم سيتخلصون من عادات الثأر والاختطاف والاقتتال القبلي والمذهبي قريبا، خاصة أن القتال الدائر بين قبيلتين في محافظة عمران (شمال صنعاء)، قتل فيه نحو 40 طفلا، إضافة لعشرات المصابين الذين سيستكملون حياتهم بعاهات لا يمحوها الزمن. المجلس الأعلى للمرأة اليمنية، يقول صراحة إن التحدث عن العنف ضد المرأة، ما بين قتل وخطف وغيرهما، يعتبر خطا أحمر، وإن المرأة تجني ثمار النتائج التخريبية للنزاعات المسلحة، ولا يُسمح لها بأن تكون شريكة في حل تلك المنازعات أو نشر ثقافة السلام.


وفرَّ «زياد» مع أسرته إلى هنا، حين أصر غرباء عن مديرية آنس، يتبعون المذهب الشيعي، على اقتحام هدوء المديرية وسكانها، لإقامة احتفال بما يعرف بـ«عيد الغدير»، مستخدمين السلاح ضد القبائل السنية التي لا علاقة لها بهذه المناسبة. ورد الغرباء الذين جاءوا من مناطق الحوثيين في شمال غرب البلاد، بفتح نيران أسلحتهم، ورد عليهم بعض أهل المديرية المسلحين بالمثل، وتناثر القتلى والمصابون في الطرقات. ولم تهدأ الأوضاع في المديرية منذ ذلك الوقت حتى الآن.وفي مثل هذه الأجواء القتالية التي لا ينقطع فيها الفر والكر طلبا للثأر، بالرصاص والقنابل اليدوية، من كل جانب من الجانبين، في محيط مديرية آنس، اضطرت أسرة زياد للفرار.

واحتمت أخيرا بقمة الجبل الذي يشرف على وديان وأرض منبسطة قرب منطقة عمرانية جديدة يقع فيها المبنى الجديد لمحافظة صنعاء، حيث يمكن رؤية المبنى، عبر الضباب، من هنا. أي من جوار مسجد أثري موغل في القدم مبني بجانب منحدر من الجبل، اسمه مسجد زيد بن علي. وبسبب العوز وعدم وجود أي مصدر للرزق، تشتت شمل أسرة زياد، ما عدا هو وثلاثة من إخوته أصغر منه سنا، ظلوا، مثل الأشجار النابتة في صخور الجيل، جالسين هناك أملا في عودة الغائبين، وكذلك أملا في انتهاء المشاكل بمديرية آنس، للعودة إلى الديار والأصحاب.قال زياد الذي يحرص على مواصلة تعليمه في الصف الرابع بمدرسة معاذ بن جبل الابتدائية القريبة من المبنى الجديد للمحافظة: «أهلي ذهبوا يبحثون عن الرزق، منذ أشهر». واختفى والده وأحد أشقائه الكبار، في رحلة طويلة لإيجاد فرصة عمل (هو وابنه الكبير) في التجارة في أقصى شمال البلاد، كما يعتقد زياد.وتتبع مديرية آنس محافظة ذمار، التي تحيطها الجبال والوديان والأشجار الخضراء، تحدها من الغرب محافظتا ريمة والحديدة، ومن الجنوب محافظة إب، ومن الشرق والشمال محافظتا البيضاء وصنعاء.

ولقي ثلاثة أشخاص مصرعهم وأصيب ثمانية آخرون حين اندلعت الاشتباكات للمرة الأولى، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.. واستُخدمت في المعارك الأسلحة الثقيلة بين مؤيدين ومعارضين للاحتفال بيوم الغدير. يقول زياد: «وضعت يدي على أذني، وأخذ إخوتي يصرخون ويبكون.. كنا نشعر بأننا سنموت، وكنت، حين يتوقف صوت الرصاص والانفجارات، أجري داخل البيت، وحول البيت، أبحث عن أبي، وعن أمي، وحين يبدأ الضرب من جديد، أعود أجري إلى الداخل، وأحضن إخوتي الصغار، وأقول لهم لا تبكوا، لا تخافوا، وأنا كنت أبكي، لكني كنت أضع يدي على أذني، وأقول لإخوتي بأن يضعوا أيديهم على آذانهم، حتى لا يسمعوا الضرب، لكن الضرب كان يهز البيت.. كان مثل صوت الرعد في وقت المطر».وبعد نحو ساعتين من الرعب والفزع والخوف والبكاء، شاهد زياد والده، ووالدته، وأخاه الكبير، وهم يهرولون قادمين من بيت أحد أقربائهم في الجوار، مستغلين فترة توقف القتال. وكان انطلاق الرصاص قد بدأ من ناحية منزل شيخ بمنطقة المنار القريبة من مديرية آنس، ومعروف أنه من المراجع الشيعية الزيدية في المديرية، وذلك احتجاجا على استقباله رجالا مسلحين آخرين قادمين من منطقة الحوثيين في صعدة للاحتفال، هنا، وعلى غير العادة، بعيد الغدير (يعتقد الشيعة أنه يوم ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه) ويوافق يوم 19 من ذي الحجة من كل عام، والذي لم يسمع عنه أهل منطقة المنار ومديرية آنس من قبل.«في اليوم التالي بدأوا بخطف الناس، وخفت أن يختطفوا أبي، وأبي خاف أن يختطفوني أنا وإخوتي، أو أن يفجروا منزلنا».

قال زياد.. إذ تمكن أهل منطقتي المنار وآنس، من خطف من 3 إلى 4 أشخاص من الغرباء الوافدين على المديرية، والذين كان عددهم يصل لنحو أربعين رجلا مصممين على إخضاع أهل المنطقة تحت قوة السلاح والمباغتة. وتركت أسرة زياد المنطقة بما فيها من اقتتال وأزيز رصاص، وتفجيرات، وهربت بجلدها، خوفا على حياة أبنائها.ولحرص الأب على مستقبل أبنائه، فقد تركهم في منطقة يعتقد أنها آمنة.. توجد مبان قديمة يعود عمرها لمئات السنين، على رأس الجبل، يحتمي بها زياد وأشقاؤه الثلاثة الأصغر منه. وفي منتصف الجبل، يوجد غدير مياه، في حضن الصخور، وبجواره أشجار، ورجال يرعون الأغنام، ويمنحون اللاجئين في الجبل ما تيسر من طعام. ويبدو أن الأب لديه إيمان عميق بأن الأمور ستتحسن في الأيام المقبلة، إن لم يكن غدا، فبعد غد، وهو ما يفسر إلحاق ابنه زياد بالمدرسة قبل أن تطويه الأيام والشهور.ويستيقظ زياد في الصباح الباكر، وبعد أن يطمئن على والدته وأشقائه، يحمل كتبه وقلمه، ويهبط الجبل في رحلة تستغرق أكثر من ساعة للوصول إلى المدرسة.. يمشي بلا فطور ولا مصروف جيب. ويقضي النصف الأول من النهار يردد الأناشيد وجداول الضرب وراء المعلم، قبل أن يرجع، حيث تكون والدته قد دبرت قسطا من الزاد يبقيه على قيد الحياة.«انتهت امتحانات الصف الرابع، وفي انتظار النتيجة، وأتمنى أن أنجح.. حتى إذا عاد أبي وأخي الكبير، يفرحان، وكذلك تفرح أمي وإخوتي الصغار..» قال زياد، وهو يمد ذراعه فوق كتفي أخويه، وينظر إلى الأفق البعيد، قائلا إنه سيبدأ في العمل في تسوير حديقة رجل موسر له منزل قريب من سفح الوادي، ليتمكن من الإنفاق على أسرته، طوال فترة الإجازة المدرسية.

ومن الجانب الآخر من جدران حجرية مهدمة على قمة الجبل، جاء صوت امرأة عجوز تستطلع الأمر خوفا على زياد وإخوته ووالدته. قالت، بعد أن اطمأنت، إن اسمها «حاكمة» من منطقة خولان، التي شهدت هي الأخرى اشتباكات بين بعض القبائل وبعضها من ناحية، وبعض القبائل المنضمة لحركة التمرد الحوثي من ناحية أخرى، وهي المنطقة القريبة من الأحداث الدامية التي راح ضحيتها العشرات العام الماضي في منطقة بني حشيش، على المشارف الشمالية للعاصمة صنعاء.

وقفت المرأة معتزة بنفسه، كأنها سيدة اليمن بأكمله.. لكن الدموع كادت تطفر من عينيها، كما كان باديا عليها الضمور، والحاجة، والمعاناة.. رددت مقاطع من الشعر متفاخرة بنسبها لقبيلة خولان، في لهجة يمنية قديمة، تشبه تلك التي يقول فيها الشاعر:«أيها السائل عن أنسابنا نحن.. خولان بن عمرو بن قضاعة» «نحن من حمير في ذروتها.. ولنا المرباع فيها والرباعة» وكانت الهموم أكبر من أن تعبر عنها بالأقوال والحكم، فجلست السيدة «حاكمة» على جانب الصخور، وقالت: «جئت هنا، وثلاثة، من خمسة، من أبناء ابني؛ أحفادي، من سنتين.. هم جهال (صغار)، وتعوزهم المراعاة.. جئت من خولان.. هناك قتال بين الناس.. قتلوا أمام عيني اثنين من النسوان، واثنين من الرجال، وقتلوا أغنامهم.. وكَّلْنَا عليهم هذا..»، وأشارت بيديها إلى السماء. وبعد هنيهة من الصمت، تابعت قائلة إن القبائل كانت في السابق تقتل القاتل أو أحد أقاربه المهمين، لكن ومنذ أن أصبح الرجال قادرين على شراء الأسلحة الرشاشة، والقنابل والألغام، أصبح الأخذ بالثأر والاقتتال ينسف البيوت بمن فيها من نساء وأطفال، دون تمييز.. وتقول «إن مثل هذا النوع من الأسلحة أساء لأخلاق القبائل.. ما هكذا كنا نتعامل في اليمن، أين ذهبت شهامة الرجال؟!.. من قبل كان من غير المروءة ولا الرجولة قتل المرأة في الثأر والحرب، وكان من غير المروءة ولا الشهامة قتل الجهّال (أي الذين لم يبلغوا سن الرشد).. اليوم تغير اليمنيون، وإلا أين الرجال ليروا حالنا هنا؟». وبعد أن التقطت أنفاسها، قال حاكمة، التي تعيش على قمة الجبل بين صخور مرصوص بعضها فوق بعض، ومسقوفة بأفرع الشجر والخيش: «هناك أكثر من عشر عائلات تعيش هنا معنا فوق الجبل، هاربين من الثارات والحروب.. عائلة بلا أب، وعائلة بلا أم، وعائلة بلا أولاد.. كلنا قادمون من منطقة خولان، مع آخرين جاءوا من الجنوب.. ومعي جارتي اسمها حليمة، وعمها سعد، وزوجها اسمه محمد، كلهم لا يعملون.. حاول محمد أن يحصل على عمل من ناس يعيشون تحت الجبل، وأعطوه سيارة ينقل بها أشياء لمزرعتهم، وكان يساعدنا بما يحصل عليه من أجر، لكنهم استغنوا عنه، والآن يسرح بأغنام ناس آخرين في الجوار». ويعتمد سكان قمة هذا الجبل على مياه المطر التي تختزنها بئر محفورة في عمق الصخور.ووقعت في المنطقة التي جاءت منها حاكمة العام الماضي اشتباكات، سقط فيها نحو تسعة قتلى وخمسين جريحا من الأطراف المتناحرة لأسباب متداخلة، ما بين اقتتال مذهبي وقبلي وسياسي. فبخلاف المناوشات بين المتمردين الحوثيين والحكومة، شهدت منطقة خولان قبل نحو ثلاثة أشهر اختطاف مسلحين منها لنجل مسؤول محلي يدعى محمد السقاف، من جوار منزله بمنطقة حدة، وقبل أن يتم إطلاق سراحه كان أقرباء له قد قاموا باختطاف عشرة من أبناء خولان كرد انتقامي، في نزاع قبلي من تلك التي تشتهر بها اليمن بسبب الصراع عن أراض أو نفوذ أو غيرها من الخلافات التي يمكن حلها بالقانون.وتتطلع «حاكمة» إلى سرعة بسط الحكومة لسلطانها على الأراضي والقبائل والفِرق التي أصبحت تقتل بلا تمييز.. «أنا بحاجة لأن أعود إلى خولان.. أريد أن أستكمل أوراقي لاستخراج بطاقة هوية، لكي يمكنني الحصول على علاج مجاني ومعاش من الحكومة».وإضافة لمساعي الحكومة للحد من العنف الاجتماعي والسيطرة على أحداث العنف في شمال البلاد وجنوبها، تصدر المنظمات الحقوقية نداءات بين وقت وآخر تطالب فيها بتوفير الحماية للأطفال من أمثال «زياد»، وللسيدات مثل «حاكمة»، لكن الأمر يبدو أكثر تعقيدا من مجرد نداءات، لأن رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة باليمن، أحمد القرشي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن هؤلاء الضحايا يفرون من العنف القبلي شديد الوطأة، وإما أن يشاركوا في القتال أو يفروا هائمين على وجوههم.. وأضاف أن «القتال الدائر منذ أكثر من عشرة أشهر في منطقة القبائل بمحافظة عمران (شمال صنعاء)، سقط فيه نحو مائة قتيل، 40% منهم دون السن القانونية»، مشيرا إلى أن 50% من المقاتلين في هذه الحروب القبلية هم من الأطفال الذين يتم استخدامهم في إطلاق النار وكمساعدين أيضا في حوادث الاقتتال. وأصدرت سياج نداء إنسانيا عاجلا توجهت به إلى الفئات القبلية المتقاتلة في محافظة عمران وغيرها من مناطق الحروب القبلية في هذا البلد، إلى العودة لأحكام وأعراف القبائل وشيمها في تجنب قتل أو استهداف الأطفال والنساء في حروبهم، وعدم إطلاق النار على المدنيين غير المشتركين في القتال.ودعت «سياج» المعنيين من مسؤولي الدولة ومشايخ القبائل ورجالاتها إلى سَن عقوبات رادعة بحق أي طرف يثبت أنه يقوم باستهداف الأطفال والنساء أو إشراكهم في عملياته القتالية سواء كمقاتلين أو مساعدين أو مقدمين لدعم لوجيستي أو غير ذلك من أشكال الإشراك التي تعرض حياتهم للمخاطر.ويتعرض الأطفال والصبية للخطف كوسيلة من وسائل الضغط، وحل النزاعات التي تمارسها بعض القبائل ضد الأخرى، ولا تسلم عمليات اختطاف من مصرع الطفل، سواء بطريقة متعمدة من الخاطفين، أو أثناء محاولة ذويه تحريره منهم. ويقول «القرشي» إن مركزه أجرى دراسة ميدانية على 1100 من الأطفال في سن (7 إلى 15 سنة) عن الآثار النفسية والسلوكية لما يتعرض له الأطفال من عنف، متخذا الاقتتال الدائر بين القوات الحكومية والمتمردين في شمال غربي العاصمة صنعاء، مثالا، في الفترة من 2004 إلى 2008، وتبين من ذلك أن 63.1% تراودهم كوابيس وأحلام مزعجة، و45.5% منهم يعانون الخوف من أشياء طبيعية معتقدين أنها غير طبيعية.ويضيف القرشي: «وجدنا أيضا مشاكل أخرى بسبب أحداث العنف هذه، منها ظهور مشكلة التبول اللاإرادي أثناء النوم، حيث أشارت النتائج إلى أن 21.6% يعانون من التبول اللاإرادي أثناء النوم (النسبة الطبيعية 15%)، والتبول اللاإرادي أثناء اليقظة بنسبة 5.7%، واللجوء إلى الانطواء والعزلة بنسبة 21.5%، والشعور بالرغبة في البكاء بنسبة 16%، فيما يعاني 4.8% من الإغماء وفقدان الوعي بسبب سماع أصوات تشبه الانفجارات، و3.3% يعانون من الإغماء لمجرد رؤيتهم للمسلحين أو سماعهم صوت الرعد أو الرصاص».ويوضح أن هذا مؤشر غير جيد، خصوصا أنه يقع في مجتمع قبلي مسلح يعتاد الأطفال فيه على مثل تلك الأمور من دون أي مشكلات تذكر، قائلا فيما يتعلق بالمشكلات الأخرى التي تغير مسار حياة الأطفال، سواء الذين تعرضوا للعنف بشكل مباشر، أو شاهدوه، أو سمعوا به «ما شعور الأطفال حين يعلمون أن قبيلة اختطفت طفلا كان عمره 15 سنة، ومكث لدى خاطفيه سنة بسبب خلافات بين القبيلة الخاطفة ووالده؟.. ما شعور أشقائه طوال هذه المدة؟.. ما شعور أطفال جيرانه؟.. هذا تأثيره مرعب على الأطفال».
ويشير القرشي إلى أن العام الجاري (2009) شهد 5 وقائع اختطاف معلومة، على الأقل، أشهرها اختطاف مسلحين من إحدى القبائل للطفل البالغ من العمر 12 سنة، خالد الجلال، من حارة مدبح بصنعاء، أثناء خروجه من المدرسة، واحتجازه في مدينة مأرب على بعد 125 كلم عن العاصمة، عقابا لأسرته التي حصلت على حكم قضائي بأحقيتها في أرض كان الخاطفون يضعون أيديهم عليها. ويبلغ إجمالي ما يحوزه اليمنيون من سلاح نحو عشرة ملايين قطعة سلاح، في أحدث تقدير لأستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز، الدكتور عبد السلام الدار، مشيرا إلى تنوع العوامل التي ساهمت في انتشار الأسلحة في أيدي اليمنيين، منها ما نسبته 81.8% بسبب ضعف القضاء، و82% لعدم وجود حلول لإنهاء ظاهرة الثأر، و78.9% بسبب هيمنة القبيلة، و86.1% للعادات والتقاليد.وتزيد معاناة الأطفال (من هم أقل من 15 سنة) الذين يشكلون نحو 47% من السكان، حسب تقرير التنمية البشرية.. فبالإضافة إلى مشكلة التعرض للاختطاف، هناك الحرمان من الأسرة، لأسباب كثيرة من بينها العنف القبلي.. ويقدر عدد الأطفال الأيتام بحسب تقرير صادر عن المجلس الأعلى للأمومة والطفولة باليمن بنحو 33180 منهم 2432 في مؤسسات اجتماعية رسمية و748 في مؤسسات اجتماعية أهلية، ويقول مسؤول حكومي إن أسر يمنية تكفل بعضا من المتبقين البالغ عددهم نحو 30 ألف يتيم تتراوح أعمارهم بين 9 سنوات و16 سنة.وتقول اللجنة الوطنية للمرأة، التابعة للمجلس الأعلى للمرأة اليمنية، إن «العنف ضد المرأة يأخذ أبعادا اجتماعية وثقافية في بلادنا» و«التحدث عنه أو الخوض فيه يعتبر خطا أحمر»، ومع ذلك أشارت اللجنة الوطنية في تقرير لها أشرفت على إعداده رئيسة اللجنة رشيدة الهمداني، إلى أن «عدد الفتيات المعنفات من الأحداث 481 فتاة، توزع حالات العنف ما بين اغتصاب وقتل عمد وهتك عرض وخطف»، وأن عدد المجني عليهن من النساء بلغ 2194. وعن النزاع المسلح، قالت اللجنة: «لم تكن النساء عادة طرفا في حل النزاعات المسلحة، وإنما تجني ثمار نتائجها التخريبية».
وقال التقرير: «لا يسمح للمرأة بأن تكون شريكة في حل المنازعات المسلحة أو نشر ثقافة السلام، وإنما تتجرع مرارة الحروب، وتجني ثمارها عنفا واغتصابا وتشردا وضياعا».
* العجوز «حاكمة ابنة خولان»: «الرجال تغيروا.. أصبحوا يأخذون الثأر بنسف البيوت بمن فيها»
* الطفل «زياد بن جبهان» من مديرية آنس: خافت أسرتي من المسلحين فتركنا منزلنا.. وسأواصل دراستي من فوق الجبل
* رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة باليمن: 40 قتيلا من الأطفال في «ثارات قبلية» شمال صنعاء.. و50% من المقاتلين أطفال
* المجلس الأعلى للمرأة اليمنية: المرأة تجني ثمار النتائج التخريبية للنزاعات المسلحة ولا يسمح لها بأن تكون شريكة في نشر ثقافة السلام.. والبعض يعتبر الحديث عن العنف تجاهها خطا أحمر.
من ملف جريدة الشرق الاوسط عن اليمن

اليمن السعيد.. الخروج من النفق (2) : فقراء شمال غرب اليمن.. وقود حرب أشعلتها خطابات إيران ونصرالله



الحوثيون أقاموا عشرات «الحوزات» في المدن ووزعوا السلاح على «الشباب المؤمن»
صنعاء: عبد الستار حتيتة

تحاول الحكومة اليمنية التوصل لحل سلمي لمشكلة التمرد الحوثي، في شمال غرب البلاد، بعد أن تحول آلاف الفقراء لوقود في حرب أشعلتها خطابات إيران وحزب الله، بحسب سياسيين ودراسات يمنية متخصصة تشير إلى أن التمرد الحوثي يتخذ طابعا مذهبيا شيعيا، ذا خطاب يشبه الخطاب الإيراني ولغة حزب الله اللبناني. لكن الحوثيين، الذين يطعن بعضهم في شرعية النظام الجمهوري القائم منذ الإطاحة بالحكم الزيدي عام 1962، يجهزون، في المقابل، لحرب جديدة ضد المواقع العسكرية والإدارات الحكومية في محافظات الشمال الغربي وفي القلب منها مدينة صعدة، مركز التمرد الذي بدأ في شكل سلمي ثم تحول لتمرد مسلح منذ عام 2004.
تعتبر صعدة، مركز تمرد الحوثيين، من أهم مراكز تصنيع الحرف المرتبطة بالحديد، والأسلحة الحربية، تاريخيا، وفي الوقت الحاضر، حيث يبلغ عدد سكانها نحو 700 ألف نسمة. ويطبق مسلحون مختصون نظريات لحزب الله اللبناني، والحرس الثوري الإيراني، وصلت إلى صعدة في كتيبات وأقراص مدمجة، وعثرت سلطات الأمن على بعضها، في تصنيع قنابل هجومية وصواريخ، وتطوير أسلحة أخرى. ويقول الحوثيون إنهم «يعدون العدة للدفاع عن أنفسهم، بسبب استمرار التمركز العسكري في عدة مناطق وطرقات، وعدم وفاء السلطات بالتزاماتها»، حيث توعد عبد الملك الحوثي السلطات اليمنية: «إذا قمتم بأي عدوان جديد فإن خسارتكم وهزيمتكم أكبر مما حصل في الماضي بكثير».ومع تزايد مأساة الحرب التي وقع ضحيتها الآلاف، ومع شح الأمطار وتراجع الزراعة وانتشار البطالة، تدخلت أطراف إقليمية ومحلية لحل المشكلة بين السلطة المركزية والمتمردين، على الرغم من وقوع اشتباكات طاحنة بين الجانبين كان آخرها في العام الماضي.. ومع استمرار إطلاق النار المتقطع بين الحين والآخر، تبدو لجان السلام، التي انحصرت في لجان محلية غير فاعلة، تراوح في مكانها، وهو ما يترتب عليه تعطل خطط وضعها الرئيس اليمني علي عبد الله صالح لإعمار ما دمره الاقتتال في صعدة التي يبعد مركزها التجاري عن العاصمة بحوالي 243 كلم.
وعقب انسحاب الجيش من عدة مواقع تعبيرا عن حسن النوايا، زاد الحوثيون من قدراتهم وسيطروا على مواقع تمركز جديدة، بحسب مسؤولين حكوميين في صعدة، قائلين إن المسلحين الحوثيين المتمركزين في الجبال والمناطق الوعرة توسعوا أيضا في فرض إتاوات على المواطنين تحت اسم «الجهاد في سبيل الله».
ويضيف أنه «بعد تراجع الجيش من أجل الخيار السلمي، فوجئنا بأن الحوثيين مصممون على السير في طريقهم، يعملون لكسب الوقت وزيادة قدراتهم.. وبدأوا بالهجوم على من حاربوا تحت علم الدولة الموحدة.. يحاربونهم باعتبارهم خونة لهم، وقتلوا الكثير من الأبرياء».
في منطقتي «ساقين» و«السهلة» كان يمكن سماع صوت الرصاص من بداية الليل لأوله.. عمليات من الكر والفر. ترصد مجموعة من خمسة إلى سبعة أفراد تتمركز فوق قمة جبل موقعا عسكريا، وتدرسه، وهي تتتبع تحركاته وفي الليل تغير عليه، فترد المدفعية على مصدر النيران بقوة. وتتجدد الاشتباكات مجددا. وفي الصباح أعلن مسؤولون عسكريون عن مصرع جندي وإصابة أربعة آخرين من القوات الحكومية، ومقتل ما لا يقل عن عشرة من المتمردين بينهم أحد أبناء شيخ محسوب على الحوثيين يدعى رشاد الذبيان.. وطيلة اليوم التالي بدأت عملية نزوج لمئات من المواطنين عن بيوتهم خوفا من اتساع العمليات العسكرية.ويتبادل المتمردون وقوات حكومية وضع النقاط التفتيشية على الطرق المؤدية إلى منطقة صعدة، في حالة من الكر والفر بين الجانبين، في محاولة من كل طرف لإحكام سيطرته على المدن والقرى والطرق الواصلة بين التجمعات السكنية.. ولا تعرف الكثير من الأسر مصير أبنائها المتغيبين، أو الذين تقطعت بهم السبل بسبب الأكمنة والحواجز والمنع.
الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، الذي اختار طريق الحل السلمي، مصدرا تعليمات مشددة بحقن الدم على جبهة صعدة، لم يخف غضبه من «الأطراف التي تدعم الحوثيين»، قائلا إنهم حصلوا على دعم وخبرات من عناصر في حزب الله اللبناني، ليس من حزب الله كحزب أو قيادة، ولكن من عناصر تنتمي إلى هذا الحزب.
وأعد مجموعة من الناشطين اليمنيين تقريرا عن حرب صعدة وتبعاتها يلخص الأحداث التي وقعت قبل 2006، قالوا فيه إن الشعب اليمني، إضافة إلى أنه مسلح بأسلحة خفيفة وثقيلة، فهو «تحكمه أعراف وتقاليد قبلية تختلف عما هو مألوف في كثير من الدول العربية»، قائلين «إن هذا يفسر لنا أمورا كثيرة أهمها وقوف بعض القبائل مع الحوثيين حينما بدأ القتال ضدهم.. إنه وقوف مع حليف قبلي، أو مظلوم، أو عالم ذي تقدير كبير، أو غير ذلك من الأسباب التي تدعو القبائل للقتال مع أطراف لا تتفق معها في كل شيء».ويتهم هؤلاء الباحثون في دراستهم بعض الأطراف الموجودة في السلطة بدعم الحوثيين، واستغلال حالة الفقر والبطالة التي يعاني منها أكثر من نصف سكان صعدة، بغرض تحقيق مكاسب سياسية ضد خصوم لهم في السلطة، ومن أجل وضع ترتيبات معينة للمستقبل السياسي في البلاد، وفي القلب منه كيفية انتقال السلطة بعد الرئيس صالح. لكن استطلاعا للرأي أجراه المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية أظهر أن 45% من اليمنيين يرون أن أسباب الحرب تعود إلى تصرفات السلطة، وفى المقابل، كان 43% يرون أن حرب صعدة سببها الحوثيون أنفسهم.
وشغلت قضية التمرد الحوثي المراقبين في اليمن وخارجه، لكن أصابع الاتهام كانت تشير غالبا إلى إيران. وجاء في دراسة بعنوان «الحوثية من إيران إلى حيدان» أن الحوثية تنظيم عقائدي سياسي يسعى لإحياء الإمامة من جديد، و«يعتنقون أفكارا تدعو لنشر مبادئ وأفكار شيعية متطرفة، بعد أن دخلت طورا جديدا، حيث لم تعد تدعي الإمامة بمفهومها التقليدي، وإنما أرادت أن تكون صعدة مرتكزا للمذهب الصفوي (الإيراني)، من خلال تولي الموالين للحوثيين الإشراف على التعليم الديني في بعض المساجد بما فيها الجامع الكبير بصنعاء في فترة من الفترات».وتعود جذور حركة الحوثيين إلى الثمانينات، حين أنشأ رجل دين هناك ما عرف في شمال غرب اليمن عام 1986 باسم «اتحاد الشباب» لتدريس، ضمن ما يدرسه للصبية والشباب، «الثورة الإيرانية ومبادئها». وتقول الدراسة إن هذه الأنشطة تحولت إلى مشروع سياسي، مع بداية الوحدة بين شطري اليمن عام 1990، حيث كان من بين الأحزاب الجديدة التي تم تأسيسها في البلاد حزب «الثورة الإسلامية» الذي ضم الأحزاب الشيعية اليمنية، لكن لم يتبق منها في الوقت الحالي غير حزبين هما «حزب الحق»، و«اتحاد القوى الشعبية»، بعد اختفاء «حزب الثورة» و«حزب الله (اليمني)».وضم حزب الحق الذي يتزعمه في الوقت الراهن حسن زيد، قيادات حوثية كان أبرزها حسين بدر الدين الحوثي، الذي لقي حتفه في مواجهات مع الجيش اليمني عام 2004، ويعتبر في الوقت الراهن الزعيم الملهم، من خلال كتاباته المنقولة عن أدبيات سياسية ودينية لحزب الله اللبناني وإيران، لآلاف الشباب المقاتل ضمن التنظيم الذي أسسه في التسعينات على غرار حزب حسن نصر الله، وأسماه تنظيم «الشباب المؤمن». وولد حسين الحوثي عام 1956 في قرية آل الصيفي بمنطقة حيدان التابعة لمحافظة صعدة. وتقول الدراسة نفسها إن حسين الحوثي كان يعلق الكثير من الآمال والطموحات على تنظيم «الشباب المؤمن»، وإنه سعى لتوفير دعم كبير وهائل عن طريق إيران. وخلال عقد التسعينات وحتى بداية الألفية الجديدة تمكن حسين الحوثي من استقطاب عشرات الآلاف من شباب القبائل والوجاهات الاجتماعية في صعدة. وتبع ذلك إصداره توجيهات باقتطاع نسبة من الزكاة لصالح «المدافعين عن شرف الإسلام، والجهاد في سبيل الله».
وبحسب دراسات متفرقة، استغل حسين الحوثي حالة الفقر التي يعاني منها الشبان اليمنيون في شمال غرب البلاد وغضبهم من الحرب الأميركية والإسرائيلية في كل من العراق وفلسطين، وأنشأ، بعد التفافهم حول خطبه التحريضية ضد أميركا وإسرائيل، العشرات من الحوزات العلمية (الشيعية). وتشير الإحصائيات إلى أنه قام بفتح أكثر من ستين حوزة في عدد من المدن اليمنية، على غرار الحوزات الإيرانية، منها 24 في صعدة، و6 في عمران، و5 في المحويت، و12 في حجة، و5 في الأمانة، و7 في ذمار، و4 في صنعاء، ومركز واحد في كل من إب وتعز.وبمرور الوقت عزز حسين الحوثي تواجده الشعبي، وهتافاته «الموت لأميركا والموت لإسرائيل»، بتسليح أنصاره من «الشباب المؤمن» بالأسلحة، بزعم أنه يعد العدة للأعداء من الأميركيين واليهود، ورفع شعاره الذي ظل يحث آلاف الصبية الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 25 عاما على ترديده وفرضه على المصلين في المساجد عقب كل صلاة جمعة، بما فيها الجامع الكبير في صنعاء.والشعار الذي ما زال أنصاره يرددونه في ساحات المعارك مع القوات الحكومية، وفي قاعات المحاكمات عند محاكمة من يلقى القبض عليه هو: «الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، النصر للإسلام، اللعنة علي اليهود».ولقي حسين الحوثي مصرعه عقب مواجهات مع أنصاره ممن اعترضوا القوات الحكومية التي كانت ذاهبة للقبض عليه باعتباره خارجا على النظام ومخالفا للدستور. وقلبت موازين العلاقة بين الحوثيين والدولة إلى الآن.مركز الجزيرة العربية اليمني للدراسات قال إن حسين بدر الدين الحوثي كان يوزع هو وأتباعه على الناس أوراقا تشبه المحاضرات تحت اسم «لا عذر للجميع أمام الله»، يبدي فيه الافتتان بسياسات طهران بالمنطقة والتأثر بنظام الحوزات العلمية الإيرانية، وشعارات الخميني عن البراءة من أميركا والمشركين وإسرائيل.
ويعتقد أنصار الحوثي في أقاويل دينية واردة من إيران عن «حتمية حدوث ثورة اليمن الإسلامية الممهدة لظهور المهدي»، معتبرين أنه (حسين الحوثي) هو «الإمام والمهدي المنتظر»، بحسب ما عثرت عليه الشرطة من أوراق مع أنصار للحوثي، بايعوه على السمع والطاعة وجمع الزكاة والتبرعات المالية.
أستاذ أصول التربية وفلسفتها المشارك بكلية التربية جامعة صنعاء، الدكتور أحمد الدغشي، يرى أن حسين الحوثي، الذي أصبحت له قبل مقتله شخصية كاريزمية، وصل به الأمر إلى وصف أهل السنة بأنهم جميعا «لا يخيفون اليهود، بل الشيعة من يفعل ذلك». وكما يخشى سياسيون في اليمن من تورط سياسيين في السلطة، مع المتمردين الحوثيين، من أجل مكاسب ضيقة، يحذر البعض الآخر من مغبة تورط أحزاب معارضة في تفاقم مشكلة المتمردين الحوثيين، وظهور مقترحات باللجوء إلى النظام الفيدرالي، في إطار الدولة الواحدة، كحل لمشكلة التمرد الحوثي، خاصة بعد أن تولى رئيس حزب الحق الأقرب إلى الحوثيين، والمتهم من قبل قيادات في الحزب الحاكم بدعمهم، رئاسة تجمع أحزاب اللقاء المشترك المعارضة.. ويضم هذه التجمع، إضافة لحزب الحق، كلا من أحزاب الإصلاح (الإخوان المسلمين)، والناصري، والبعث. وبينما ترتفع وتيرة مثل هذه الاتهامات مع تعقد الأوضاع في شمال البلاد، وتزايد توقعات نشوب حرب جديدة بين الطرفين، حذر القيادي في جماعة الإخوان، حارث الشوكاني، الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، من خطورة الانجرار وراء «مخططات الإماميين الرامية لتمزيق البلد تحت لافتة الفيدرالية»، معتبرا الفيدرالية «لا تصلح في دولة كاليمن»، مشيرا إلى أن الفيدرالية ستعمل على تجزئة البلاد، و..«إذا ما تجزأت البلاد سهل على الشيعة الامتداد داخل منطقة حاشد وبكيل ومن ثم السيطرة على صنعاء العاصمة كما حصل عبر التاريخ حيث كانت صعدة هي نقطة الانطلاق العسكري الشيعي صوب صنعاء».
ويرى الباحث عبد الناصر المودع أنه لا ينبغي أن يقتصر تعاطي الحكومة مع التمرد في صعدة على المعالجات العسكرية.. «كان عليها أن تحتويها سياسيا وفكريا»، وأن «تعمل على إعطاء جماعة الحوثي مناخا أكبر من الحرية والعمل السياسي والفكري».وأمام المحكمة الجزائية المتخصصة في اليمن، حيث رددوا الشعار المعتاد «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل»، لم يُخفِ متهمون بالاشتراك في الهجوم على قوات الجيش والشرطة على المشارف الشمالية للعاصمة صنعاء العام الماضي، أنهم تأثروا بالفكر الحوثي، وبأفلام للثورة الإيرانية، وتدريبات حزب الله العسكرية، وكذا من خلال محاضرات من زعماء الحوثيين تدعوهم لمحاربة اليهود إسرائيل وأميركا في منطقة بني حشيش (شمال العاصمة، على تخوم جبل نقم)، ويقصدون بذلك الدولة اليمنية والقوات المسلحة والأمن، قائلين أمام سلطات التحقيق إن هذه التوجيهات بمحاربة الدولة صادرة من عبد الملك الحوثي عبر قائد التمرد في بني حشيش أبو عبد الله الشامي، وإنهم كانوا يستخدمون في القتال صواريخ كتف وقاذفات بازوكا، ورشاشات آلية روسية ذات طابع دفاعي وأخرى إسرائيلية الصنع ذات طابع هجومي منها سلاح ماركة «عوزي» الشهير.
حسن زيد محمد زعيم حزب الحق (الشيعي) والمتهم من قبل قيادات في الحزب الحاكم بأنه أحد من يقومون بدعم الحوثيين، وأن له صلات بإيران، قال لـ«الشرق الأوسط» إن المشكلة في منطقة صعدة تتفاقم.. «وكلما حاولت القوات النظامية هناك السيطرة على الوضع، اتسعت دائرة المنضمين للتمرد بسبب انتهاك حقوقهم وحرمة بيوتهم وسيطرة تلك القوات على أراضيهم.. الأمر اتسع، ورقعة الساخطين على السلطة امتدت إلى محافظات شمالية أخرى، منها الجوف وعمران وحجة.. كلها باتت من أنصار الحوثي نكاية في السلطة.. أرى أن السلطة لا تحرص على الحل بل على خلق بؤر التوتر لاستمرار حالة الطوارئ غير المعلنة في البلاد».
وعما يتردد عن أن عبد الملك الحوثي الذي يتزعم الحوثيين في صعدة أصبحت لديه إمكانيات مالية كبيرة، وكذلك تقنية تكنولوجية عالية، وأنه ربما كان هناك تمويل إيراني للحوثيين، وشبكات اتصال داخلية مستقلة خاصة بهم في منطقة صعدة، قال حسن زيد: «عبد الملك الحوثي شقيق حسين الحوثي.. وكادت الأسرة تستسلم، وكان يحيى الحوثي (شقيقهما المقيم بألمانيا حاليا) هنا (في اليمن) وكان عضوا بمجلس النواب، وعضوا بلجنة الوساطة، خاصة أنه عضو بحزب المؤتمر الشعبي العام (الحاكم).. كادوا ينتهون من هذه المشكلة نهائيا، لولا ممارسة السلطة العابثة التي تسببت في ردود أفعال ضدها بين أبناء صعدة، فوقفوا خلف عبد الملك الحوثي».ويضيف زيد موضحا أنه من المعروف أن المجتمع اليمني مجتمع مسلح، وبدأ المنضمون لحركة الحوثي حرب عصابات تستهدف تحرير أراضيهم وبيوتهم ومزارعهم من معسكرات الجيش، أما ما يقال عن تمويل إيراني أو شيعي خارجي للحوثيين، فهذا أسخف ما يمكن أن يقال.
الحوثيون يؤكدون التزامهم بالشرعية الدستورية، وأن رئيس الجمهورية هو علي عبد الله صالح، وأنه «مرجعيتنا ورئيسنا الدستوري». ولذلك أقول إن الحوثيين لا يطالبون بأكثر من أن توقف السلطة عدوانها عليهم. أما الحديث عن وجود إيراني فهو أكذوبة، لأنه لا توجد أي علاقات بين الحوثيين وإيران.. «كما أنني كرئيس لحزب الحق لا توجد لنا أي علاقات بالخارج، لا مع إيران ولا غير إيران»، مشيرا، فيما يتعلق باتهام السلطة له بأن له يدا في الحرب في صعدة، إلى أن «السلطة هي التي وراء هذه الحرب، وتبحث عمن تعلق عليه شماعة الحرب، فتقول هذا إما انفصالي أو ظلامي أو إرهابي أو إمامي ملكي، أو إيراني، أو تابع لتنظيم القاعدة».
وبينما يتطاير كلام السياسيين في الهواء، يتطاير الرصاص بين الوديان والجبال، ويقع مزيد من الضحايا، والمشردين، بمن فيهم الأطفال والنساء. ولا تعرف الكثير من الأسر مصير أبنائها المتغيبين، أو الذين تقطعت بهم السبل بسبب الأكمنة والحواجز والمنع.. وحذر مشايخ في المناطق الجنوبية من صعدة من ازدياد التحركات التي تنذر بحرب جديدة، وأعلن الشيخ عبد الله روكان من مديرية ساقين شمال غرب العاصمة، الذي كان يحارب وقومه المتمردين الحوثيين، أن المتمردين يجهزون لشن هجوم على المعسكرات التابعة للدولة. وقال سكان محليون من قبيلتي عقبة وحنيش شمال العاصمة صنعاء إن غارة شنها عليهم متمردون حوثيون خلال الأسبوع الماضي، لاعتقادهم أنهم يساعدون القوات الحكومية ويقدمون لها معلومات عن تحركات المسلحين الحوثيين، وإن الهجوم أسفر عن إحراق المتمردين عشرة منازل على الأقل. ويبلغ ضحايا المواجهات الكبرى والمناوشات على مدى خمس سنوات آلاف القتلى والمشردين.. قياديون في حملة شعبية باسم «معا ضد حرب صعدة» يقولون إنه لا توجد إحصائية دقيقة حتى الآن من جانب الحوثيين أو من جانب الحكومة عن ضحايا 5 مواجهات كبيرة في صعدة، لكن القيادي في حزب الحق، محمد مفتاح، يوضح أن الأرقام تشير إلى 9 آلاف قتيل و20 ألف جريح، و9 آلاف أرملة، و6 آلاف أسرة منكوبة و120 ألف مشرد.
وتتهم الحكومة اليمنية المعارضين بتضخيم الأحداث في اليمن «على غير الحقيقة»، في الشمال، لمجرد الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية «على حساب الوطن».. وقال مسؤول في الحكومة لـ«الشرق الأوسط» إن مشكلة المتمردين في الشمال، والانفصاليين في الجنوب، ليست بتلك الضخامة التي تصورها وسائل الإعلام.. «الذين يقومون بمثل هذه الأعمال يخالفون القانون والدستور الذي ارتضاه الشعب اليمني، ومن له مطالب عليه أن يقدمها بطريقة سلمية للجهات المختصة، لا أن يقوم بالاعتداء على المواطنين والممتلكات العامة». وتحتاج صعدة إلى عمل كبير لتقليل نسب «الفقر والبطالة»، وهما «من أسباب الحرب»، على حد تعبير الدكتور علي مجور، رئيس الوزراء اليمني. وتقول الحكومة أيضا إنها تبذل جهودا مضنية لحل قضية المتمردين في شمال غرب البلاد دون اللجوء إلى «الاقتحام العسكري» تجنبا لإراقة الدماء، وحثت القبائل والمواطنين هناك على المشاركة في الخطة التي تنفذها لإعادة إعمار ما دمرته العمليات العسكرية والمسلحة في السنوات الخمس الماضية. وبادرت الحكومة كذلك بسحب وحدات عسكرية من أماكن قريبة من مزارع في قرى بنطاق صعدة، واعتماد أكثر من 10 مليارات ريال (نحو 50 مليون دولار) لإعادة البناء بحسب ما أكده وزير الإدارة المحلية اليمني رشاد العليمي. وبحسب إحصاءات رسمية أولية، تضررت خلال الحرب على «الفتنة والتمرد» 9730 منشأة منها 7529 منزلا و1702 مزرعة بمختلف مناطق صعدة، كما مولت الدولة، بحسب المجلس المحلي في صعدة، 34 مشروعا في المحافظة خلال العامين الماضيين بلغت كلفتها أكثر من 36 مليار ريال في قطاعات المرافق المختلفة.

من ملف جريدة "الشرق الاوسط" عن اليمن

اليمن السعيد (1) : تنظيم القاعدة في اليمن يجند الصبية ويهدر دم أعاجم النساء والاطفال

أثار غضب القبائل ورجال الدين بتوزيعه منشورات يحرض فيها على حمل السلاح وقتال السياح

صنعاء: عبد الستار حتيتة

من تهديدات «القاعدة» والفكر المتطرف إلى التوترات والمصادمات الأخيرة في الجنوب مع تنامي الحركة التي أطلق عليها «الحراك» الجنوبي، ثم التمرد الحوثي المستمر نحو 6 سنوات، الذي حصد آلاف القتلى والجرحى، تتزايد التحديات أمام اليمن الذي يحتل مكانة استراتيجية هامة في المنظومة الإقليمية. وتأتي هذه المشكلات وسط تحديات أخرى أكبر تتعلق بصلب عملية التنمية والتحديث والتغلب على مشكلات تقليدية مثل الثارات القبلية وانتشار السلاح والفقر والبطالة.
وفي سلسلة الحلقات التي تبدأ نشرها «الشرق الأوسط» من اليوم تسليط ميداني للضوء على الواقع أو الحراك اليمني الحالي. وفي حلقة اليوم رصد ميداني لنشاط «القاعدة» وتجنيدها الصبية, والحرب الآيديولوجية التي تشنها استغلالا للمشكلات القائمة.
* صبي في السابعة عشرة من عمره، يكنى «أبو عدنان»، يمسك بصفحات من أول مجلة ورقية يصدرها تنظيم القاعدة في دولة عربية؛ اليمن. ويعتقد «أبو عدنان»، الذي يترأس أربعة صبية آخرين، أكبرهم لم يبلغ الثامنة عشرة، إن الشريعة الإسلامية حرمت الاعتداء على الأعاجم من السياح والنساء والأطفال، لكنه يزعم، وهو يتكئ على ماسورة بندقيته الكلاشنكوف، أنها أباحت قتلهم، في حال تعذر الوصول إلى أوليائهم؛ أي المسؤولين عنهم من حكام الدول الأجنبية التي تعتدي، برأيه، على المسلمين.وبحسب مصادر محلية في مدينة الضالع جنوب صنعاء، تجد أجهزة الأمن صعوبة في التمييز بين المسلحين صغار السن التابعين لما يسمي بالحراك الجنوبي الداعي لانفصال جنوبي البلاد عن شمالها، وأقرانهم من مسلحي «القاعدة» الذين بدأوا ينتشرون هناك، لدرجة أن بعض رجال الشرطة أصبح يطلق على هذا النوع من المسلحين اسم «الحراك الانفصالي القاعدي».
وتبرأت قبائل هؤلاء الصبية منهم، بمن في ذلك الصبي «أبو عدنان»، الذي ينتمي لقبيلة أبو طهيف، بعد أن استغل تنظيم «قاعدة الجهاد»، في وسط اليمن وجنوبه، حالة الفقر، والخطاب الديني المتشدد في البلاد، وجند صبية متأثرين بالحروب الدائرة في المنطقة، ليقاتلوا من أجل أهداف غامضة، داخل دولة تحاول الخروج من نفق حركة الانفصال الجنوبي والتمرد الشمالي، وانخفاض عائدات البترول وشح المياه والتسرب من التعليم.ولاحظ «مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث»، وهو مركز يمني مستقل، ازدياد الإقبال على شراء محاضرات وخطب لإسلاميين مؤخرا، في البلاد البالغ عدد سكانها 23 مليون نسمة، مشيرا إلى أن معظم موضوعات الخطب تدور عن «الإيمانيات» بنسبة 27%، والسياسة الداخلية والخارجية بنسبة 15.7% وقضايا الواقع (اليمني) 9.2%، والقضايا الاجتماعية بنسبة 4.7%، ونسب أقل منذ ذلك لموضوعات أخرى عن المرأة والتربية وغيرها.ويغذي نزعات عقائدية ومذهبية شيوخ مستقلون يربطون في خطبهم الجغرافيا بالمعتقد: المذهب الزيدي الشيعي في الشمال.. الشافعية في إب.. الصوفيون والسلفيون الجهاديون في حضرموت في الجنوب والجنوب الشرقي. ويقول الباحثون إن مثل هذه الخطب تجد آذانا مصغية من الصبية والشبان العاطلين عن العمل.«الأطفال في البلاد يجابهون حياة صعبة غير آمنة لانتشار الفقر والتفكك الأسري، وارتفاع الأمية إلى 48%»، يقول الباحث اليمني مراد غالب الداعري مشيرا إلى أن نسبة الأطفال المقيدين في التعليم (بين 6 ـ 15 سنة) 55%، والباقين خارج أسوار المدرسة. ويضيف في دراسة له، أن هذا أدى لعجز هؤلاء الأطفال عن معرفة أدوارهم الحقيقية تجاه أنفسهم ومجتمعهم ووطنهم، فيصبحون أكثر عدوانية، وإثارة للشغب، ويحملون صفات تدميرية تجاه أنفسهم ومجتمعهم، ولا تكون لديهم مخاوف طبيعية من خرق النظم والقوانين، حيث تتملكهم روح المغامرة والرغبة الشديدة في التمثيل واستقطاب الآخرين.ويقول مسؤول شغل في السابق مواقع أمنية مهمة، بمدينة الضالع الملتهبة بسبب دعوة جنوبيين للانفصال، إن «القاعدة» استغلت بالفعل الأحداث هناك، مشيرا إلى مغازلة «القاعدة» لأبناء الجنوب وإرسال مسلحين للوقوف معهم ضد الشرطة، إضافة لحثهم، من خلال منشورات وخطب مسجلة ومدونة، على الجهاد.. إنهم يستغلون الأزمة المالية العالمية وارتفاع أسعار الغذاء في السنوات الثلاث الأخيرة، وتراجع الإنفاق العام في البلاد، مع تراجع إنتاج النفط، وانخفاض التصدير للخارج.
ويضيف المسؤول: «رصدنا على الأقل مشاركة سبعة مسلحين من صغار السن الذين ينتمون لـ«القاعدة» ويدعمون في الوقت نفسه الحراك الانفصالي الجنوبي، أثناء مظاهرة للحراك في منطقة «مودية» بمدينة أبين بداية يونيو( حزيران)، نحسب أن هذه هي أول مرة يتجرؤون فيها على الظهور علانية في هذه المنطقة، وثلاثة من هؤلاء على الأقل متورطون في أعمال إرهابية بمحافظة أبين ومحافظة حضرموت».وقال المسؤول الأمني، إن «القاعدة» وهي تروج للفوضى، ترفض الآخرين جميعا.. «ترفض الحزب الحاكم، وترفض أحزاب المعارضة، وترفض وساطات شيوخ قبائل وجهاديين سابقين.. هم لن يتوقفوا عن حرب العصابات التي يتبعونها.. يستبيحون دماء الأجانب، وإذا ضغطت عليهم قوى الأمن لفرض القانون يتراجعون، وحين يبتعد الجنود عن طريقهم حقنا للدماء، يغيرون عليهم».عايش عواس الباحث بـ«مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية» يرى أنه: «ليس من المبالغة القول إن نزعة العداء لدى العناصر المحسوبة على تنظيم القاعدة الإرهابي ضد كل ما هو أجنبي باتت تشكل واحدة من أكثر الظواهر إثارة للقلق، ليس بسبب كونها دخيلة على المجتمع اليمني الذي عرف بتسامحه وانفتاحه على العالم من حوله عبر التاريخ الإنساني الطويل، وإنما أيضا لأضرارها الفادحة على المصالح العامة وعلى سمعة البلاد والرعايا اليمنيين في الخارج». ويضيف موضحا أنه «خلال السنتين الأخيرتين بدأ نشاط (القاعدة) يأخذ منحى أكثر خطورة، وذلك من ثلاثة جوانب: أولها يتعلق بسعي (القاعدة) مؤخرا إلى تعزيز حضورها داخل اليمن واستخدام أراضيه كقاعدة انطلاق لضرب واستهداف دول المنطقة، باعتبار اليمن تتميز بتضاريس جغرافية صعبة، وتركيبة اجتماعية قبلية محافظة، وصعوبة فرض السيطرة الكاملة على حدودها البرية والبحرية نظرا لامتدادها واتساعها، مما يجعلها ـ من وجهة نظر التنظيم ـ مؤهله أكثر من غيرها لتبني فكر (القاعدة)، وتوفير الملاذ الأفضل لعناصرها».
وهو يشير إلى «نية (القاعدة) في العمل على تكثيف نشاطها داخل الأراضي اليمنية، واستقطاب المزيد من الأعضاء إلى صفوفها حتى تتوفر الأعداد الكافية لمد جبهات المواجهة في مختلف المناطق استنادا إلى استراتيجية التنظيم تجاه اليمن، التي ترى فيها طبقا لخطاب أيمن الظواهري (أرض مدد للإسلام والمسلمين)».ويتابع عواس، الذي أعد دراسات عن هذا الموضوع، موضحا: «تتأكد مصداقية مثل هذا الرأي من خلال ظهور عناصر جديدة في صفوف التنظيم لم تكن معروفة من قبل، وتوجه (القاعدة) إلى استقطاب وتجنيد صغار السن بهدف تلافي النقص العددي من ناحية، وزيادة عدد منتسبي التنظيم من ناحية أخرى». ويضيف أن هناك عدة نقاط في أساليب «القاعدة» أصبحت تسترعي الانتباه، منها: مراهنة التنظيم، في إطار المواجهة مع الحكومة، على مناصرة القبائل له، إلى درجة يبدو معها واثقا من التفاف بعض القبائل حوله ومده بما يلزم من الدعم والتأييد. لكنه يقول إنه ليس معلوما على وجه اليقين طبيعة المصلحة المشتركة بين الطرفين، بيد أن الصواب يقتضي.. «العمل على فك التحالف بين القبائل وعناصر (القاعدة) إن وجد، ووضع استراتيجية شاملة للتعامل مع القبائل والمشايخ وأبنائهم الموالين لـ(القاعدة) أو المنخرطين في صفوف التنظيم ومن جميع الجوانب، بحيث لا تقتصر على الأدوات العسكرية والأمنية وحسب، بل تشمل كذلك الأدوات الفكرية والاقتصادية، لأن وضع القبائل في خندق واحد مع الإرهابيين وقصر التعامل معهم على الوسائل العسكرية والأمنية فقط، لن يؤدي إلى تحقيق النجاح المطلوب».ومع كل ذلك يستطرد عواس قائلا إن ما سبق لا يعني «أن (القاعدة) اليوم تعيش أفضل مراحلها، بل على العكس من ذلك، فهي تواجه أوضاعا في غاية الصعوبة، خاصة بعد نجاح أجهزة الأمن اليمنية في اعتقال العشرات من عناصرها، وتفكيك كثير من خلاياها في حضرموت وصنعاء. وبغض النظر عما إذا كانت السلطات اليمنية قد اعتقلت القائد الميداني للتنظيم السعودي محمد العوفي أو أنه سلم نفسه طواعية، فإن الحادثة بحد ذاتها تمثل ضربة موجعة للتنظيم بالنظر إلى الموقع القيادي الذي كان يحتله العوفي في تنظيم (قاعدة الجهاد في جزيرة العرب)».ورفض وزير الداخلية اليمني التعليق على موضوع تنظيم القاعدة في بلاده، لكن مسؤولا أمنيا في الحكومة يرى، بحسب ما قاله لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم القادة الجدد بـ(القاعدة) لهم تكتيكات جديدة، أبرزها تجنيدهم للأطفال، وطبع منشورات ورقية وتوزيعها في مديريات بالجنوب، واستغلالهم للأحداث هناك، هذا يجعل الدولة تشعر بالصداع من تصرفاتهم التي تعكس صورة غير طيبة عن الاستقرار في اليمن».على أية حال، أصبح من المعتاد أن ترى برقية تعزية مطبوعة وتوزع على ذوي المتوفى، بإمضاء تنظيم القاعدة: «يعزي (المجاهدون في جزيرة العرب) الأخ الصابر الفار بدينه، صالح عبد الخالق علي جابر في وفاة والدته وأخيه وأختيه، في حادث سير مروري».ويقول ناصر الوحيشي الذي أصبح، بعد هربه من سجنه في صنعاء عام 2006، مع عشرين آخرين، زعيما لـ«القاعدة» في اليمن، في رسالة لأهل الجنوب: «أيها الأحرار الصامدون ضد الظلم والقهر.. إن ما تطالبون به هو حقكم، كفله لكم دينكم، ودفعتكم إليه فطرتكم التي لا ترضى الذل ولا الدنية. فلا يمارس عليكم باسم الوحدة الظلم والقهر. لقد جربتم حكم الاشتراكية وقد ذقتم منها ما ذقتم من مآس، وها أنتم تشربون من نفس الكأس على أيدي النظام الذي يحكمكم اليوم، ولقد آن الأوان أن يحكم الإسلام».
وفي منطقة جبلية تقع شرق ذمار توقفت حدود سيارتنا، التابعة لشركة سياحية خاصة. من هناك كان بانتظارنا شاب نحيف تفوح منه رائحة نبات القات النفاذة، وبعد تأكده من عدم وجود أي شيء معنا باستثناء ملابسنا، انطلق بنا، بسيارة دفع رباعي من دون لوحات معدنية (تويوتا لاندكروزر موديل 1995) تشبه سيارات الجيش، عبر طرق وعرة فوق جبال تطل أحيانا على مروج خضراء، وأحيانا على صحارى خاوية. وبين الحين والآخر تبدو منازل متناثرة، تحتنا، هنا وهناك.وأخيرا خرج لنا خمسة صبية مسلحين عرفنا منهم «أبو عدنان». هو طويل القامة نحيف، تبدو عليه مظاهر الأهمية. ويعتبر نفسه من قاعدة الجهاد لتحرير اليمن «من النظام الديمقراطي الفاسد المخالف لشرع الله». وقدم لنا صفحات من مجلة تصدرها «القاعدة» على الإنترنت، ويطبعها موالون للتنظيم في ذمار وأبين وحضرموت، ويوزعونها لحث شبان جدد لـ«الجهاد».و«أبو عدنان» لا يحفظ القرآن كاملا. وهو يخطئ في نطق ألفاظ عربية، وفي قواعدها أيضا. وترك هذا الصبي المسلح مدرسة العابسية الثانوية بمنطقة الحداء، قبل نحو عامين، من دون أن يكمل تعليمه، على الرغم من حلمه بالالتحاق بكلية القانون. وهجر الدراسة حين كان يحاول الذهاب للعراق للقتال ضد الأميركيين. ولـ«أبو عدنان» خمسة أشقاء وست شقيقات، وهو من مواليد منطقة تدعى رداع على مشارف محافظة البيضاء الجبلية، لكن أسرته انتقلت إلى ذمار منذ أكثر من عقدين، ويعمل والده فلاحا. وأدى نقص المياه وانخفاض قيمة العملة اليمنية إلى تراجع قدرة الوالد على الوفاء بالتزامات أسرته. ومثل «أبو عدنان»، توجد مجموعات مسلحة من صبية صغار، فارين من مدارسهم وأسرهم وقبائلهم لما يسمونه «الجهاد في سبيل الله». وبعد عملية هنا أو هناك، يقع فيها قتلى من جانب رجال الأمن، يستعرض موالون لـ«القاعدة» قوتهم بين أبناء قبائل في الجنوب والوسط، مستغلين الخلافات السياسية والقبلية.. لكن «أبو عدنان» يقول عن سبب وجوده ورفاقه في الجنازة التي تخص الحراك الجنوبي من المطالبين بالانفصال: «كنا نحمي إخواننا.. ننصرهم لأنهم مظلومون».
ويتحرك زعماء التنظيم متخفين وسط السكان وفي الجبال، ويستخدم زعماؤهم، وغالبيتهم في العقد الثالث من العمر، سيارات الدفع الرباعي، والكومبيوترات المحمولة وهواتف الثريا. وتتعقبهم الأجهزة الأمنية من مكان لآخر. وفي محافظة ذمار تمكنت من محاصرة متهم بالتعاون مع «الجهاديين»، وتسهيل إقامة العضو بـ«القاعدة»، السعودي عبد الله الحربي، بعد إلقاء القبض على الأخير في محافظة تعز. وووفقا لمسؤولين حكوميين، أدى التعاون مع «شيوخ قبائل يمنية» ومع «جهات أمنية عربية شقيقة»، في القبض على مثل هؤلاء الأطفال، وإحالتهم لبرامج المناصحة وإعادة التأهيل التي يشارك في بعضها شيوخ أزهريون، وعلماء دين في اليمن، قبل تسليمهم لذويهم. وتدعم دول غربية مثل هذه البرامج ضمن خططها لمكافحة الإرهاب. ونفذت «القاعدة» عمليات انتحارية خلال أقل من عامين أدت لمقتل أجانب في محافظة حضرموت وصنعاء، إضافة لمناوشات مع القوات الحكومية هنا وهناك.. «هذه القلاقل أدت لتعطيل مشروعات اقتصادية في البلاد»، بحسب مسؤول بمديرية ذمار، الذي يضيف طالبا عدم الإشارة إلى اسمه: «في ثمانينات القرن الماضي كان اليمن واحدا من أهم البلاد التي ترسل بـ(مجاهدين) لأفغانستان، لقتال السوفيات هناك. وحين عاد بعضهم إلى اليمن، بداية من التسعينات، استعان الحزب الحاكم بهم لقمع تمرد الانفصاليين الماركسيين في الجنوب عام 1994.. بل حارب بعضهم ضد التمرد الحوثي الشيعي في الشمال».منظمة «هُود» اليمنية غير الحكومية، تشير إلى أهمية إعادة تأهيل أعضاء «القاعدة» العائدين من الحروب في أفغانستان ومن السجن في غوانتانامو. والمشكلة التي تشير إليها منظمات حقوقية أخرى هي أن أعضاء التنظيم الذين لم ينخرطوا في عمل ليتعيشوا منه، سيعودون مجددا للعمل كمقاتلين مدعومين من جهات مختلفة لها مصالح عابرة للحدود. وتقول «هود»: «لا أحد يريد توظيفهم.. لا أحد يريد التعامل معهم».وأدى قتل التنظيم لسياح أجانب، إلى غضب قبائل يمنية تعتبر السياحة مصدر دخل ضروري، خاصة مع شح الأمطار، وتزايد القرصنة على سواحل القرن الأفريقي.. كما أغضبت عمليات استهداف السياح شيوخا سلفيين في البلاد. واتفق زعماء الجماعات الإسلامية في اليمن على تحريم الاعتداء على السياح، باعتباره نوعا من أنواع «قتل النفس المعصومة بغير حق». وأفتى مشايخ التيار السلفي بأن مثل هذه الأعمال «تدل على وجود من يبيع دينه بدنيا غيره، أو من يسلم عقله وزمامه لمن يذهب به إلى الهاوية».ورد تنظيم القاعدة بتوزيع فتاوى مصرّا على موقفه، زاعما أن الشريعة أوجبت «قتل من ضل الطريق أو ألقته سفينة، فكيف بمن قدم إلينا عامدا عالما أنه هدف لنا، بل قدم بشرِّه وفجوره إلى بلاد الإسلام. لا بد أن نعلم أن الشريعة التي حرمت قتل النساء والصبيان أباحت قتلهم، إذا لم يمكن قتل غيرهم ممن يجوز قتله إلا بقتلهم، فيجوز قتلهم تبعا»، وتجيز فتوى قادة «القاعدة» أيضا القتل بالجملة لـ«الأعاجم» من دون تفريق بين نساء وأطفال وشيوخ، مستندة إلى «استخدام المسلمين الأوائل المنجنيق في الحروب»، وتقول: «لا يمتنع تحريق حصون الأعاجم بكون النساء والولدان فيها».كما لاقى تجنيد زعماء في تنظيم القاعدة، للأطفال الذين تحت سن الثامنة عشرة نفورا من أبناء القبائل اليمنية.. لكن التنظيم رد أيضا على المناوئين لاستغلال الأطفال بقوله: «لقد ساد بين الناس مفاهيم مغلوطة في تربية الأبناء، منها أنه ينبغي تجنيب الصغار مظاهر العنف والدماء. لكن سُنّتنا هي أن نعود أبناءنا على هذه الأمور. ونعود أبناءنا على السلاح منذ نعومة أظفارهم، ونغرس في قلوبهم حب السلاح وهم صغار. وعلى الآباء أن يأخذوا أبناءهم في رحلات يدربونهم فيها على الذخيرة الحية».وجاءت انتقادات القبائل لـ«القاعدة» بعد أن ورط زعماء التنظيم هناك اثنين من خيرة الصبية اللذين لم يتجاوز عمريهما 18 سنة، في حضرموت في عمليتين قتاليتين راح ضحيتها سياح ومحققون كوريون جنوبيون، وقتل الصبيان، بأحزمتهما الناسفة، وهما عبد الرحمن مهدي، وشامل الصنعاني.والمشكلة كما يرويها رجل أمن يدعى علي حمُّود سالم، مسؤول عن النقطة الرئيسية بمدخل الضالع ـ صنعاء، تكمن في الطريقة التي يرفض فيها الأولاد الصغار، الذين جندتهم «القاعدة»، الاستسلام للشرطة أو الجيش.. «يطلقون علينا النار وهم يعلمون أنهم محاصرون.. ولا مجال أمامهم للهرب.. وننتظر طوال الليل لعلهم يتوقفون ويسلمون أنفسهم، لكن لا جدوى.. ونحن من جانبنا لا يمكن أن نتهاون في فرض القانون.. يعني حين ننتظر حتى الصباح دون إطلاق طلقة واحدة، وننادي عليهم في مكبر الصوت: استسلموا.. انتهى الأمر، لكنهم لا يستسلمون. هل يظنون أننا سنتركهم ليقتلوا الناس.. أنا من قبيلة (كذا) وفي الصباح حين أصدر أوامر باقتحام المغارة التي يتحصنون فيها، ويقع ضحايا، يقولون أنت يا ابن قبيلة كذا قتلت فلان ابن قبيلة كذا.. أنا أنفذ القانون لحماية الجميع، لكن أتحول في نظر قبيلة ما إلى مطلوب للثأر.. هذه مشكلة أخرى..».
وبسبب هذه الإشكالية القبلية التي وضعها تنظيم القاعدة، واستغلاله لمراهقين عنيدين بطبعهم، وأولاد لم يتموا بعد السنة الثامنة عشرة من العمر، بادر مشايخ من قبائل تحظى باحترام اليمنيين بمنطقة مأرب، وسط البلاد، بالتعامل بحدّة مع أبناء لهم انجروا وراء خطابات «القاعدة» ومنشوراتها التحريضية، وفي محاولة أخيرة لاستعادتهم إلى رشدهم، هددوهم بالتبرؤ منهم، لكن هؤلاء الأولاد اختفوا، مثل «أبو عدنان» و«مهدي» و«الصنعاني» و«دوحة» و«جردان»، وغيرهم، ببنادقهم من ماركة كلاشنكوف و«إيه كيه 47» و«البيكا»، ولم يرجعوا.. ولقي بعضهم حتفه في أكمنة للشرطة أثناء توجههم لمواقع تدريب يشرف عليها قياديون في التنظيم في منطقة جبلية وعرة بحضرموت. كما لقي آخرون منهم حتفهم وهم يجهزون عبوات ناسفة، مثلما حدث في منطقة الوضيع قبل أسابيع. فيما قتل كل من علي بن علي دوحة من آل حتيك، وعبد العزيز بن جردان، وناجي بن جردان، من أبناء مأرب، في كمين مؤخرا، بحسب ما أفاد تنظيم القاعدة نفسه، الذي قال إنهم من قبيلة عبيدة، إضافة إلى صبي آخر يدعى عامر المهشمي، من قبيلة بمنطقة الجوف، الذي أكد تنظيم القاعدة أنه هو أيضا لم يتم الثامنة عشرة من عمره.وبحسب ما أعلنه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، فإنه لا شك أن «لدى تنظيم القاعدة الإرهابي خلايا في اليمن، لكن قواتنا الأمنية تلاحق عناصر تلك الخلايا وتبحث عنها في كل مكان، وفي كل لحظة، وفي كل يوم، وفي كل شهر».وفيما يقول مصدر أمني إن التحقيقات تجري في الوقت الحالي مع نحو 30 متهما بالانتماء لـ«القاعدة» بعد ضبطهم مؤخرا في محافظة أبين (شرق)، تواصل السلطات الأمنية البحث عن عشرات المطلوبين، ممن أصبحوا معروفين بأسمائهم وصورهم لدى أجهزة الأمن، وتدور أعمار هؤلاء، بحسب وزارة الداخلية اليمنية، حول العشرينات، أكبرهم سنا حسن محمد (سعودي الجنسية 51 سنة)، وأصغرهم عبد الإله مصطفى (سعودي الجنسية أيضا 17 سنة).باحث يمني: توجه «القاعدة» لاستقطاب صغار السن وتجنيدهم لتلافي النقص العددي وزيادة عدد منتسبيها * «الجهاديون» الجدد تأثروا بالحروب الدائرة بالمنطقة.. وقبائل تتبرأ من أبنائها المنضمين لـ«القاعدة» * ضابط يمني: «القاعدة» لقنت الصبية عدم الاستسلام للأمن حتى الموت.. «يا قاتل يا مقتول» * غالبية خطباء المساجد يتناولون القضايا الإيمانية والسياسة الداخلية والخارجية والواقع الاجتماعي
من ملف جريدة "الشرق الاوسط" عن اليمن